المثقف في مجتمع الاستعراض: بين العزلة والشهادة
في أزمنة التحولات الحضارية الكبرى، لم يكن المثقف يوماً مجرد فائضٍ عن حاجة المجتمع، بل كان الضمير الحي الذي يفكك بنية التخلف ويستشرف آفاق النهوض، بينما في زمننا الراهن نصطدم بمفارقة تراجيدية؛ حيث في ذروة ثورة الاتصال الكوني، أصبح صانع الأفكار يعيش أعمق درجات اغترابه الأنطولوجي!! هل استقال المثقف طوعاً من دوره الشهودي؟ أم أن تسونامي التفاهة الرأسمالية قد أقصاه قسراً ليُخلي الساحة لـ ”فقاعات“ الاستعراض؟
عبر المنعطفات التاريخية التي تحدد مصائر الأمم، ظلت ”الكلمة“ هي الحامل الطبيعي لمشاريع النهضة، والمثقف هو حارسها المؤتمن، إلا اننا في المشهد الحضاري الراهن نحن أمام انقلاب جذري في موازين التلقي والتأثير؛ فقد انتقلت ساحات التدافع المعرفي من أروقة الحوار الرصين وحلقات التفكير العميق، إلى منصات رقمية صاخبة لا تحكمها قوة الحجة، بل خوارزميات الاستهلاك اللحظي وأنظمة ”التريند“.
مع هذا النسق المأزوم، لم يعد التحدي الأكبر الذي يواجه النخب الفكرية، فقط الرقابة أو ضيق هوامش الحرية، بل تجاوزه إلى تحدٍ أشد فتكاً يتمثل في بنية العصر ذاته؛ عصرٌ يمجّد السطحية، ويحتفي بالصورة على حساب الجوهر، ويقدم الانفعال الغريزي على حساب التعقل الفلسفي، أمام هذا الانزياح الخطير، اختار الكثير من المفكرين الانكفاء على الذات، والدخول في حالة من الاغتراب أو العزلة، تاركين الفضاء العام لثقافة التفاهة والرداءة والهشاشة، كما لا يخفى على أحد منا، أن قراءة هذه الظاهرة لم تعد ترفاً أكاديمياً، بل هي مدخل رئيسي لفهم أزمة الوعي التي تعصف بالعقل الإنساني والإسلامي المعاصر.
إن مقاربة عزلة المثقف المعاصر مقاربة موضوعية لا تتم بمعزل عن التحولات المعرفية العميقة التي أفرزتها حقبة ما بعد الحداثة، حيث أفضت هذه المرحلة، كما يشخصها ببراعة الفيلسوف وعالم الاجتماع ”زيغمونت باومان“، إلى حالة من ”السيولة“ الشاملة التي أذابت السرديات الكبرى واليقينيات الصلبة التي كان يستند إليها العقل البشري في بناء تصوراته عن الكون والمجتمع، ومع تسيد المناخ الرقمي المتوحش، فقدت المعرفة طابعها التراكمي والبنائي، وتحولت إلى شظايا معلوماتية متناثرة، أين تم تبلور الاغتراب الأنطولوجي للمثقف؛ فهو كائن نسقي يبحث عن المعنى الكلي، في عالم يكتفي باللذة الجزئية والمؤقتة، بينما المثقف الذي اعتاد أن يبني أطروحاته على التفكيك المتأني والتركيب المنهجي، يصطدم بواقع يرفض الانتظار والعمق والتفاصيل، فزمن السيولة متسارع يلهث وراء التحديث المستمر، مما يجعل أدوات التحليل الرصينة تبدو وكأنها لغة غريبة فقدت صلاحيتها في سوق التداول اليومي، وهو ما يعمق الهوة النفسية والمعرفية بين المثقف ومجتمعه.
تفكيكاً بعمق لهذه العزلة، تجد أطروحة الفيلسوف الفرنسي ”غي ديبور“ حول ”مجتمع الاستعراض“ راهنيتها القصوى في قراءة واقعنا، كون المجتمع برمته تحول إلى شاشة عرض كبرى، حيث تتراجع قيمة ”الكينونة“ «أن تكون مثقفاً حقيقياً» لصالح ”الظهور“ «أن تبدو كذلك أمام الكاميرات»، في ظل مجتمع الاستعراض، أصبح المعيار الأوحد للموثوقية هو ”اقتصاد الانتباه“ «Attention Economy» والقدرة على حصد التفاعلات واللايكات، وليس القدرة على إنتاج الحقيقة الفلسفية أو تغيير الواقع المتردي.
أمام تسونامي الاستعراض، يتعرض الفكر لعملية تسليع ممنهجة ومبتذلة، في ظل الاقتصاد الرقمي لا يقصي الفكر تماماً، بل يقوم بابتلاعه وإعادة إنتاجه في قوالب مفرغة من محتواها النقدي، محولاً إياه إلى ”بضاعة“ استهلاكية تنتهي صلاحيتها بمجرد ظهور مؤثر جديد، حيث يُطلب من المثقف، عبر ضغط خفي، أن يتخلى عن عمقه المنهجي ويتحول إلى ”شبه مثقف“ يختزل نظرياته في مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة لتلائم ”خوارزمية“ المنصة، ومن يرفض الانخراط في هذه اللعبة الاستعراضية، يُحكم عليه بالإعدام الرمزي والتهميش والإقصاء والتسقيط مجتمعياً.
لو أسقطنا هذا الواقع على جراحنا الحضارية، مستعيرين الرؤية الثاقبة للمفكر الجزائري ”مالك بن نبي“ رحمه الله، لأدركنا أن جوهر الأزمة يكمن في انتقال مركز الثقل في شبكة العلاقات الاجتماعية من ”عالم الأفكار“ إلى ”عالم الأشياء“ وعالم الأشخاص، حيث صارت مجتمعاتنا تستهلك التكنولوجيا كأشياء صماء، مفرغة من الروح الحضارية، في ظل هذا الاختلال المفاهيمي، تتراجع مكانة ”الكلمة“ باعتبارها وعاء الفكرة، لصالح ”الصورة“ التي تخاطب الغرائز والعواطف، هنا تتجلى محنة المجتمع المسلم المعاصر؛ فالمثقف المسلم، الذي يستمد مرجعيته من نص قرآني مؤسس على التفكر والتدبر، يجد نفسه في مواجهة نمط مادي يمارس ما أسماه المفكر ”علي شريعتي“ بـ ”الاستحمار الحديث“. وهو استحمار لا يعتمد على تغييب المعرفة، بل على إغراق الإنسان في طوفان من المعلومات التافهة والملهيات المبرمجة التي تشتت انتباهه عن قضاياه المصيرية، وفي هذا المناخ الخانق، تتحول عزلة المثقف أحياناً إلى رد فعل دفاعي مشروع، ومحاولة نبيلة لحماية لغته ومفاهيمه من التلوث والابتذال الذي تفرضه ثقافة الغوغاء.
رغم قسوة هذا التوصيف، فإن النقد الحضاري لا ينبغي أن يقودنا إلى العدمية أو تبرير الاستقالة التاريخية للنخب، لأن الخروج من نفق الاغتراب يتطلب صياغة ”عقد تواصل جديد“ ينقلنا من مفهوم ”المثقف العضوي“ «بمفهومه الغرامشي الذي قد يقع في فخ الذوبان الإيديولوجي»، إلى مفهوم أرحب وأعمق نابع من صميم الرؤية التوحيدية القرآنية، وهو مفهوم ”المثقف الشاهد“.
”المثقف الشاهد“ هو النقيض الجذري للمثقف المنسحب في برجه العاجي أو الناقم على مجتمعه، إنه المثقف الحاضر بوعيه في صميم المعركة الحضارية السوسيوثقافية، والذي يمتلك من ”النباهة“ ما يجعله يرى ما لا يراه المجموع المستلَب في مجتمع الاستعراض، حيث الشهادة هنا «بمفهومها القرآني: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» ليست مجرد مراقبة سلبية للأحداث أو رد فعل اعتباطي، بل هي حضور أخلاقي ومعرفي فاعل، يرفض تسليع الفكرة، ويتدخل لتقويم الانحراف ويصحح المسارات ويستشرف خيارات الخلاص، المثقف الشاهد يدرك يقيناً أن المعرفة أمانة ائتمانية، وأن الفاعلية وتغيير الواقع هما شرطان من شروط ”العبادة العمرانية“، فينزل إلى الميدان ليكون حجة على مجتمعه، منخرطاً بشجاعة في صناعة الوعي البديل.
في الختام، لا مناص أن اغتراب المثقف في مجتمع الاستعراض ليس قدراً أنطولوجياً لا فكاك منه، بل هو عرضٌ مرضي ناتج عن خلل في موازين التفاعل الحضاري، صحيح أن العزلة قد تكون محطة منهجية ضرورية للخلوة التأملية، وترتيب الأفكار بعيداً عن سيولة ”التريند“، لكن استدامتها تمثل خيانة صريحة لوظيفة ”الشهادة الحضارية“.
كون التحدي الأكبر الذي يواجه العقل العربي والإسلامي اليوم، هو كيفية اختراق هذه الحجب الرقمية وبناء ”عمران معرفي“ جديد عمرانٌ يسترد فيه المثقف دوره كمهندس للوعي، ليس عبر مداهنة مجتمع الاستعراض، بل عبر التأسيس لمنصات تنويرية جادة تخاطب الفطرة، وتستعيد للكلمة قداستها، وتزرع بذور النباهة في حقلٍ أرهقه الاستحمار والاستعمار، إنها معركة إرادات قبل أن تكون معركة أفكار، والانتصار فيها يبدأ من خروج المثقف الشاهد من عزلته، حاملاً مشعل التجديد، مؤمناً بأن زبد التفاهة يذهب جفاءً، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.. والله المستعان.













