المحتاجُ رسولُ النعمة الإلهية: تأملات في كلمات الإمام الحسين (ع)
جعل الإمام الحسين
خدمة الناس مظهراً من مظاهر شكر الله تعالى، ونظر إليها بمنظار مختلف عن النظرة المألوفة؛ فالناس الذين يقصدون الإنسان لقضاء حوائجهم ليسوا عبئاً عليه، وإنما هم علامة على فضل الله عليه. وقد عبّر عن ذلك بقوله:
«حوائجُ الناسِ إليكم من نِعَمِ الله عليكم، فلا تملُّوا النِّعَمَ فتعود «فتحور» نقما.» [1]
وورد النص برواية عنه
مع اختلاف قليل:
«اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِكُمْ." [2]
معنى تحور، أي تنقلب، أو تتحول، أو ترجع.
وأصل الفعل «حارَ يَحورُ» في اللغة العربية: رجع وعاد بعد أن كان على حال، ومنه قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَن يَحورَ﴾ [الانشقاق: 14]
أي: لن يرجع إلى ربه للحساب.
وعليه، فمعنى قول الإمام
: «فلا تملوا النعم فتحور نقمًا»
أي: لا تضجروا من نعمة الله التي جعلت الناس يقصدونكم في حوائجهم، فإن قابلتم هذه النعمة بالملل أو الجفاء أو الإعراض، فقد تنقلب هذه النعمة إلى نقمة، ويزول عنكم هذا الفضل.
وفي هذا تنبيه إلى أن حاجة الناس إليك ليست عبئًا، بل هي علامة على أن الله ائتمنك على الخير، وشكر هذه النعمة يكون بخدمة الناس والإحسان إليهم، أما التبرم وصدُّ المحتاجين فقد يكون سببًا في زوال النعمة وفقدان التوفيق.
فكأن الإمام
يقول: احذروا أن تتحول نعمةُ خدمة الناس إلى نقمة بسبب سوء التعامل معها. وهذا من أبلغ ما قيل في الحث على قضاء حوائج الناس وشكر نعم الله تعالى
وزاد هذا المعنى وضوحاً بكلمة أخرى تحمل أسمى معاني الرحمة والكرامة، فقال:
«وصاحبُ الحاجةِ لم يُكرِم وجهَه عن سؤالك، فأكرِم وجهَك عن ردِّه.» [3]
وهاتان الكلمتان ترسمان منهجاً أخلاقياً راقياً في التعامل مع المحتاجين، وتدعوان إلى أن تكون خدمة الناس عبادةً نتقرب بها إلى الله، لا منّةً نتفضل بها عليهم.
قد يظن بعض الناس أن كثرة من يطلبون مساعدته أمر يبعث على الضيق، لكن الإمام الحسين يلفت الأنظار إلى حقيقة مختلفة؛ فكون الناس يلجؤون إليك ويثقون بك هو نعمة تستحق الشكر، لأن الله اختارك لتكون سبباً في قضاء حوائج عباده.
ولو شاء الله لسلبك هذه المنزلة، وجعل الناس يقصدون غيرك، ولذلك فإن خدمة الناس ليست تكليفاً ثقيلاً، بل تشريف إلهي.
من أبلغ ما قاله الإمام الحسين
:
«وصاحبُ الحاجةِ لم يُكرِم وجهَه عن سؤالك، فأكرِم وجهَك عن ردِّه.»
فالإنسان بطبيعته يحب أن يحفظ كرامته، ولا يلجأ إلى سؤال الآخرين إلا إذا ألجأته الحاجة والضرورة. فهو حين يقف أمامك طالباً العون، يكون قد تجاوز حياءه، ووضع ثقته فيك، وربما حمل في قلبه أملاً كبيراً ألا يعود خائباً.
لذلك يدعو الإمام الحسين إلى أن يكون ردّ الإنسان على هذا الموقف بموقف يليق بكرامته، فلا يقابله بالجفاء أو الإهانة أو التجاهل، بل يستقبله بالاحترام والرحمة، فإن استطاع أن يقضي حاجته فعل، وإن عجز اعتذر إليه بلطف وأدب.
ثم يحذر الإمام الحسين من التبرم بخدمة الناس، فيقول:
«فلا تملوا النعم فتعود «فتحور» نقما.»
فالنعمة لا تدوم إلا بالشكر، وشكرها يكون بحسن استعمالها. فمن رزقه الله مالاً فشكره أن ينفق منه، ومن رزقه جاهاً فشكره أن يشفع به للناس، ومن رزقه علماً فشكره أن يعلمه، ومن رزقه قدرةً على قضاء الحوائج فشكره أن يفتح بابه للمحتاجين.
أما إذا ضاق صدره بالناس، أو استثقل خدمتهم، أو ردهم بقسوة، فقد يكون ذلك سبباً في زوال النعمة وانتقالها إلى غيره.
لقد جعل الإسلام السعي في قضاء حوائج الناس من أفضل القربات، لأن فيه تفريجاً للكرب، وإدخالاً للسرور على المؤمنين، وتقويةً لأواصر المجتمع.
ولذلك كان أهل البيت
يحرصون على خدمة الناس، ويرون أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، وإنما بما ينفع به الآخرين.
إن المحافظة على نعمة خدمة الناس تكون من خلال حسن الخلق، وبشاشة الوجه، واحترام السائل، وكتمان حاجته، والإخلاص لله في كل عمل، وعدم انتظار الشكر أو الثناء من أحد، لأن الجزاء الحقيقي عند الله سبحانه وتعالى.
كما ينبغي للإنسان إذا لم يستطع قضاء الحاجة أن يرد صاحبها بكلمة طيبة، فرب كلمةٍ رقيقةٍ خففت ألماً، ورب اعتذار كريم حفظ كرامة إنسان.
إن كلمات الإمام الحسين
تبني مجتمعاً قائماً على الرحمة والتكافل والإحسان. فهي تعلمنا أن المحتاج ليس عبئاً، بل فرصةٌ لنيل رضا الله، وأن من يقصدنا بحاجته قد ائتمننا على كرامته قبل أن يأتمننا على حاجته.
فإذا كان صاحب الحاجة قد غلب حياءه ومدّ يده طالباً العون، فمن الوفاء والإنسانية أن نستقبله بوجه طلق، ولسان كريم، وقلب رحيم، وأن ندرك أن حوائج الناس إلينا ليست امتحاناً لهم، بل امتحان لنا، فمن أحسن فيه حفظ نعم الله، ومن شكرها زاد.
وتذكر دائما أنه حين يطرقُ المحتاجُ بابَك، يبدأُ امتحانُ النعمة.













