الوطنية ليست إعلانًا… بل تمكين
كان محمد يملك شركةً ناجحة، صنعت لها في السوق مكانًا ومكانة، وبنت خلال خمس سنوات اسمًا وسمعة، وتقدمت بخطى ثابتة، لا بضجيج الدعاية، بل بجدية الرعاية، ولا بكثرة الوعود، بل بحسن الجهود.
وكان في شركته مديرٌ أجنبي مجتهد، أحسن محمد اختياره، وأوسع له اعتباره، وفتح له أبواب التدريب، ومهّد له طرق التأهيل، وأرسله إلى أرقى المعاهد، وأجلسه في أفضل الدورات، وصرف عليه من مال الشركة، ومن وقت الشركة، ومن فكر الشركة، ومن أسرار الشركة، حتى صار يعرف خفايا العمل، وخطايا القرار، ومداخل السوق، ومخارج الإدارة، ومواطن القوة، ومكامن الثغرة.
ومضت الأيام، وكبرت الخبرة، ونضجت الإدارة، واطمأن محمد إلى أن البناء قد اشتد، وأن الزرع قد امتد، وأن اليد التي كانت تتعلم صارت تقود وتُعلّم.
ثم جاء الصباح الذي لم يكن في الحسبان. دخل المدير، وقدّم استقالته، ثم غادر إلى شركة منافسة خارج البلد. لم يخرج موظفًا فقط، بل خرجت معه ذاكرة تشغيل، وخبرة تدريب، وعلاقات سوق، وأسرار إدارة، وخلاصة سنوات. خرج بجسده، وخرجت معه معرفة صُنعت هنا، ونمت هنا، وتغذت من مال هذه الشركة، ثم أثمرت هناك.
بقيت الشركة في موقعها، وبقي شعارها على بابها، وبقي اسمها في إعلانها، لكن شيئًا من عقلها رحل، وشيئًا من عرقها سافر، وشيئًا من تعبها حُمل في حقيبة مسافر لا يعود.
جلس محمد يفكر، ثم قرر أن يبدأ من جديد. والغريب أنه لم يسأل: أين الخلل؟ ولم يقل: كيف نحفظ المعرفة داخل الوطن؟ بل عاد إلى الدائرة ذاتها، واختار مديرًا آخر غير وطني، ليبدأ معه من الصفر: تدريب جديد، وتأهيل جديد، وتمكين جديد، ومخاطرة جديدة، وانتظار جديد لرحيل جديد.
وهنا لا بد من سؤالٍ هادئٍ في ظاهره، عميقٍ في أثره: ماذا استفاد الوطن من معرفةٍ صنعتها شركة وطنية ثم غادرت؟ وماذا ربحت الشركة من خبرةٍ زرعتها ثم لم تحصدها؟ ولماذا يكون ابن الوطن قريبًا من الشعار، بعيدًا عن القرار؛ حاضرًا في الصورة، غائبًا عن الصدارة؛ مطلوبًا في الخطاب، مؤجلًا في الحساب؟
نعم، لسنا ضد الخبرات الأجنبية، ولا نرفض الكفاءات القادمة، فالوطن الواثق لا يخاف من الخبرة، ولا يضيق بالمعرفة، ولا يغلق بابه في وجه من يضيف. لكن الفرق كبير بين أن نستفيد من الخبير، وأن نعتمد عليه اعتماد الأسير؛ وبين أن نجعله معينًا، وأن نجعله بديلًا؛ وبين أن يكون جسرًا للتمكين، وأن يكون جدارًا أمام أبناء الوطن.
إن الخبير الأجنبي قد يضيف، وقد يبدع، وقد ينفع، وهذا حق لا يُنكر. لكن الموظف الوطني حين يُمنح الفرصة، ويُعطى الثقة، ويُفتح له الباب، لا يحمل وظيفة فقط، بل يحمل هوية؛ ولا يحمي راتبًا فقط، بل يحمي وطنًا؛ ولا يعمل لشركة فحسب، بل يعمل لبلدٍ هو أهله، ومستقبله، وذاكرته، ومصيره.
والشركة التي تقول للناس: ”ادعموا المنتج الوطني“، عليها قبل ذلك أن تقول لنفسها: ”ادعمي الموظف الوطني“. فمن غير المنطق أن تطلب من المستهلك وطنية الشراء، ثم لا تمارس أنت وطنية الاختيار. ومن غير الإنصاف أن ترفع راية الوطن في الإعلان، ثم لا ترفع ابن الوطن في الميدان. ومن غير المقبول أن يكون الوطن في الواجهة التجارية، غائبًا عن البنية الإدارية.
الوطنية ليست عبارةً تُطبع على كيس، ولا شعارًا يُعلّق على واجهة، ولا إعلانًا يُبث في موسم. الوطنية قرارٌ حين تختار، وعدلٌ حين تقيم، وشجاعةٌ حين تمكّن، وأمانةٌ حين تبني صفًا ثانيًا من أبناء الوطن. الوطنية أن تجعل ابن البلد يتعلم، ثم يعمل، ثم يقود، ثم يورّث الخبرة لمن بعده، حتى لا تكون المعرفة طائرًا مهاجرًا، بل شجرةً ثابتةً في أرضها، مثمرةً في وطنها.
ورؤية السعودية 2030 لم تنظر إلى الاقتصاد على أنه خزائن وأرقام فقط، بل جعلته إنسانًا وقدرة، ومهارةً وإدارة، وتمكينًا واستدامة. فهي رؤية لا تريد اقتصادًا يربح بالمال ويخسر الإنسان، ولا شركةً تكبر في السوق وتصغر في مسؤوليتها الوطنية، بل تريد وطنًا ينهض بعقول أبنائه، وسوقًا يثق بكفاءاته، ومنشآتٍ تجعل المواطن شريكًا في القيادة، لا مجرد اسمٍ في نسبة التوطين.
إن قوة الاقتصاد لا تُقاس بحجم المباني وحدها، بل بحجم العقول التي تديرها. ولا تُقاس بعدد الفروع فقط، بل بعدد المواطنين الذين يقودونها. ولا تُقاس بكثرة الأرباح فقط، بل بقدرتها على صناعة كفاءة وطنية تبقى، وخبرة وطنية تنمو، وقيادة وطنية تحفظ المال والمعرفة والقرار.
فإذا كانت الشركة وطنية في سجلها، فلتكن وطنية في سلوكها. وإذا كانت وطنية في إعلانها، فلتكن وطنية في إحسانها. وإذا كانت تطلب من الناس أن يقفوا معها لأنها من الوطن، فلتقف هي مع أبناء الوطن لأنهم للوطن.
العبرة واضحة لمن أراد البصيرة لا التبرير: لا تجعل التدريب حقيبةً يحملها من يغادر، ولا تجعل المعرفة جسرًا يعبر عليه الآخرون ثم يتركونك على الضفة. اصنع من موظفيك الوطنيين قادة، ومن شبابك أصحاب خبرة، ومن بنات وأبناء بلدك أهل إدارة وقرار. اجعل الخبرة الأجنبية مدرسةً للتأهيل، لا سقفًا يمنع الوصول؛ واجعلها وسيلةً للتطوير، لا ذريعةً للتأجيل.
يا صاحب الشركة الوطنية: حين تطلب منا أن ندعم منتجك لأنه وطني، فابدأ أنت بدعم موظفك لأنه وطني. وحين تفتخر بأن اسم شركتك من هذا البلد، فليكن ابن البلد في قلب إدارتها، لا على هامش حكايتها. وحين تقول إنك جزء من اقتصاد الوطن، فأثبت أن الوطن جزء من قرارك، ومن تدريبك، ومن ترقيتك، ومن ثقتك.
فالمنتج الوطني لا يرفعه الإعلان إن خذلته الإدارة، ولا يحميه الشعار إن غاب عنه القرار. المنتج الوطني تقويه يدٌ وطنية، وعقلٌ وطني، وقيادةٌ وطنية، وإيمانٌ بأن الاستثمار في المواطن ليس مجاملة، بل مصلحة؛ وليس شعارًا، بل شطارة؛ وليس تكلفة، بل تجارة رابحة مع الوطن والتاريخ والمستقبل.
ومن أراد أن يربح باسم الوطن، فليُربح الوطن معه. ومن أراد أن يبيع للناس باسم الوطنية، فليعمل داخل شركته بروح الوطنية. فالوطن لا يكبر بالكلام المصفوف، بل بالفعل المعروف؛ ولا ينهض باللوحات اللامعة، بل بالعقول الصانعة؛ ولا يبنى بمن يستهلك شعاره، بل بمن يحفظ كوادره، ويثق بأبنائه، ويجعل من كل كفاءة سعودية مشروع قيادة، ومن كل فرصة تدريب بذرة سيادة، ومن كل شركة وطنية مدرسة وفاء، لا محطة عبور.













