آخر تحديث: 1 / 7 / 2026م - 1:30 م

المحن تكشف جوهر الأوطان

ياسين آل خليل

هناك لحظات لا تُقاس بحجم الحدث بقدر ما تُقاس بما تكشفه عن معادن البشر. وحادثة سقوط المروحية التابعة لشركة أرامكو، التي ارتقى فيها ثلاثة عشر من أبناء الوطن شهداء وهم يؤدون واجبهم، كانت واحدة من تلك اللحظات التي نزعت عن المجتمع كل مظاهر الحياة اليومية، وأظهرت وجهه الحقيقي، وجهًا امتلأ رحمةً، وتضامنًا، ووفاءً.

لقد كتب كثيرون عن أسماء الشهداء، وعن تفاصيل الحادث، وعن مشاهد التشييع ومجالس العزاء، وكل ذلك مستحق. لكن ما يستحق التأمل أكثر هو ما جرى بعد ذلك.. ذلك المد الإنساني الذي تدفق من كل اتجاه، حتى بدا وكأن المجتمع كله قد قرر أن يحمل شيئًا من هذا الحزن عن الأسر المفجوعة.

في مثل هذه المصائب، لا يكون السؤال.. كم شخصا حضر؟ بل.. ماذا شعر أهل الفقد؟ والجواب كان واضحًا في كلماتهم قبل دموعهم. فقد شعروا أن مصابهم لم يعد حزنًا خاصًا داخل جدران منازلهم، بل أصبح وجعًا عامًا تقاسمه الناس جميعًا. وهذه نعمة لا تمنحها الأموال، ولا تستطيع المؤسسات أن تصنعها بقرارات إدارية، وإنما تبنيها القيم المتجذرة في نفوس الناس.

ولم يكن هذا الشعور ثمرة تفاعل المجتمع وحده، بل تعزز كذلك بالمواقف التي جسدت حضور الدولة إلى جانب مواطنيها في لحظات الألم.

وكان حضور القيادة إلى مجالس العزاء واحدًا من أكثر المشاهد تعبيرًا عن هذه الروح. فقد زار صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، أسر الشهداء، كما قام صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، بزيارة مماثلة، في موقف حمل من الدلالات ما هو أبلغ من الكلمات. شعر ذوو الشهداء أن قيادتهم تقف إلى جانبهم في لحظات الألم، وتشاركهم مصابهم بكل صدق ووفاء. ولم تكن تلك الزيارات أداءً لواجب رسمي فحسب، بل تجسيدًا لعلاقة إنسانية ووطنية راسخة، تؤكد أن أبناء هذا الوطن لا يُتركون وحدهم عند الشدائد، وأن تضحياتهم محل تقدير واعتزاز من قيادتهم ووطنهم.

ولعل ما يلفت الانتباه أيضًا أن المجتمع تحرك بعفويته لمواساة أهل العزاء، كما يتحرك الجسد حين يشعر بألم أحد أعضائه. آلاف الوجوه التي حضرت، وآلاف الرسائل والاتصالات والدعوات، لم تكن مجرد مظاهر اجتماعية عابرة، بل كانت إعلانًا عمليًا أن هذا المجتمع ما زال يحتفظ بقلبه، مهما تغيرت أنماط الحياة وتسارعت إيقاعاتها.

وفي خضم هذا المشهد، تذكرت بعض المقالات التي كتبتها قبل أيام قليلة وتحدثت فيها عن أن قوة المجتمع لا تُقاس فقط بما يملكه من عمران ومؤسسات، بل بمقدار الرحمة التي تسري في قلوب أفراده. يومها كان ذلك تصورًا فكريًا، أما اليوم فجميعنا قد رأينا المشهد واقعًا حيًا. فما حدث في مجالس العزاء لم يكن مجرد تجمع بشري، بل كان تجليًا حيًا لتلك الروح التي تجعل الناس يلتقون على الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.

لقد كشفت هذه الفاجعة حقيقة تستحق التأمل؛ فالقيم لا يُعرف صدقها وهي مكتوبة في الكتب أو منصات التواصل، وإنما يُعرف صدقها عندما تتحول إلى سلوك تلقائي في لحظات الشدة. فالرحمة التي رأيناها، والمبادرات التي انطلقت بعفوية، لم تكن ردود أفعال مؤقتة، بل كانت تعبيرًا عن وعي اجتماعي تراكم عبر الزمن حتى أصبح جزءًا من شخصية المجتمع السعودي المعطاء.

ولهذا لم يكن المشهد استثناءً صنعته الفاجعة، بل كانت الفاجعة هي التي كشفت ما كان مستقرًا في النفوس. فالمحن لا تخلق معادن الناس، وإنما تزيح عنها غبار الأيام لتظهرها على حقيقتها. وحين يكون رصيد المجتمع من الرحمة كبيرًا، يصبح أقدر على احتواء آلام أفراده، وأسرع إلى الوقوف معهم دون انتظار دعوة أو تكليف.

رحم الله شهداء الواجب، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ وطننا وقيادتنا وأهله من كل سوء. وربما كان أعظم ما تركه هؤلاء الشهداء، إلى جانب إخلاصهم في أداء واجبهم، أنهم أيقظوا في المجتمع أجمل ما فيه.. الرحمة، والتكاتف، والشعور بالمسؤولية المشتركة. وإذا كانت الأرواح قد غادرت إلى بارئها، فإن الرسالة التي خلفتها باقية بيننا.. أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تبنيه من منشآت فحسب، بل بما تبنيه من إنسان، وأن المجتمع الذي يتقاسم أحزانه بهذا الصدق، هو المجتمع الأقدر على صناعة المستقبل بثقة وجدارة.