آخر تحديث: 1 / 7 / 2026م - 1:30 م

حين تنحني القلوب للمصاب… وتنهض الإنسانية في أبهى صورها

ناجي وهب الفرج *

في حياة الأوطان لحظاتٌ تختبر معدن الرجال، وتكشف ما تختزنه القلوب من رحمةٍ ووفاء. لحظاتٌ يتراجع فيها ضجيج الحياة، فلا يُسمع إلا صوت الإنسانية وهي تمسح دمعةً، أو تجبر خاطرًا، أو تربت على قلبٍ أنهكه الفقد.

وفي الفاجعة الأليمة التي ألمّت بأسر شهداء سقوط المروحية التابعة لشركة أرامكو السعودية في رأس تنورة، لم يكن الحزن ضيفًا عابرًا على تلك البيوت، بل كان وجعًا ثقيلًا حلّ في القلوب، وترك خلفه فراغًا لا تملؤه الكلمات. غير أن الأقدار التي تبتلي النفوس، تجعل في الوقت نفسه من المواقف الإنسانية العظيمة بلسمًا يخفف شيئًا من وطأة الألم، ويمنح الأرواح المنكسرة قبسًا من السكينة.

ومن هنا جاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود، أمير المنطقة الشرقية، لأسر الشهداء، لتتجاوز حدود الواجب الرسمي إلى فضاءات إنسانية رحبة، تجلّت فيها أسمى معاني التراحم والتلاحم والوفاء.

لقد بدا المشهد وكأن الوطن بأسره قد حضر في شخص سموه؛ يحمل تعازيه، ويشارك الأسر أحزانها، ويقف إلى جانبها في لحظة من أصعب لحظات العمر. كانت الكلمات صادقة، وكانت المشاعر أصدق، وكانت الوجوه تقرأ في ملامحه معنى المشاركة الحقيقية في الألم، لا مجرد التعبير عنه.

ولم يكن ذلك الموقف الإنساني النبيل إلا انعكاسًا للنهج الراسخ الذي أرساه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وعززه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ذلك النهج الذي جعل الإنسان محور التنمية، وغاية الرعاية، وجعل من القرب من المواطنين ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم قيمةً أصيلةً في مسيرة هذا الوطن المبارك.

ففي المملكة العربية السعودية لا تقف القيادة عند حدود إدارة الدولة، بل تمتد إلى ملامسة احتياجات الإنسان ومشاعره، لتغدو العلاقة بين القيادة والشعب علاقة محبةٍ وثقةٍ وتلاحمٍ متجذر في وجدان الوطن.

غير أن أكثر المشاهد بقاءً في الذاكرة كان ذلك المشهد الذي صنعه الأطفال.

هناك، حيث كانت البراءة ترتدي ثوب الحزن، وحيث كانت العيون الصغيرة تبحث عن شيءٍ من الطمأنينة وسط غيابٍ موجع، اتجهت الأبصار نحو سمو الأمير بعفويةٍ آسرة. لم تكن تلك النظرات مصطنعة، ولم تكن وليدة توجيهٍ أو ترتيب، بل كانت لغة الفطرة النقية التي لا تعرف إلا الصدق.

كانت العيون الصغيرة تتبعه أينما تحرك، وكأنها وجدت في حضوره ملاذًا آمنًا من قسوة اللحظة. وكان الأطفال يقتربون منه بتلقائية المحبة، فيما كانت ملامحهم تعكس شعورًا عميقًا بالأنس والارتياح. وكأنهم رأوا فيه صورة الأب الحاني الذي يمد ذراعيه ليحتضن الحزن قبل أن يحتضن أصحابه.

في تلك اللحظات، تحدثت العيون أكثر مما تحدثت الكلمات.

رأى الصغار في سموه قلبًا مفتوحًا لهم، ووجدوا في ابتسامته الحانية ما يخفف من قسوة الفقد، وفي قربه منهم ما يبعث الطمأنينة في نفوسهم. فانعكست على وجوههم مشاعر محبةٍ صادقة، وأخذت نظراتهم ترسم لوحة إنسانية نادرة الجمال، لوحة تختصر معنى الأبوة حين تمتزج بالمسؤولية، ومعنى القيادة حين تتوشح بثوب الرحمة.

ولعل أعظم ما في تلك اللحظات أنها كشفت حقيقة لا تخطئها القلوب؛ فالأطفال لا ينجذبون إلى المناصب، ولا تدهشهم الألقاب، وإنما تستوقفهم الأرواح الصادقة والقلوب الرحيمة. ولهذا كان تعلقهم بسموه شهادةً عفويةً على ما يحمله من دفءٍ إنساني ومحبةٍ فطريةٍ للناس.

لقد كانت الزيارة أكثر من مناسبة عزاء، وأكبر من لقاء مواساة. كانت درسًا وطنيًا في التلاحم، ورسالةً إنسانيةً بليغة تؤكد أن هذا الوطن، بقيادته وشعبه، أسرةٌ واحدة؛ إذا أصاب الحزن بيتًا من بيوتها، امتدت إليه القلوب قبل الأيدي، وحضرت المواساة قبل أن تُطلب.

وسيبقى ذلك المشهد محفورًا في الذاكرة؛ مشهد قائدٍ يقترب من أبناء وطنه في ساعة الألم، وأطفالٍ تتعلق أبصارهم به وكأنهم يستمدون من حضوره شيئًا من القوة والسكينة، ووطنٍ عظيمٍ تتجسد في مواقفه أسمى معاني الرحمة والوفاء.

هكذا تصنع الأمم العظيمة تاريخها الإنساني، وهكذا تظل المملكة العربية السعودية، بقيادتها الرشيدة، نموذجًا لوطنٍ لا يقف عند حدود الإنجاز، بل يرفع من قيمة الإنسان، ويجعل الرحمة والوفاء والتلاحم مبادئ راسخةً تسكن القلوب قبل أن تُكتب في السطور.

نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية