الثقافة.. إتقان أم سياحة فكرية
من مفاهيم إدارة المشاريع «الجودة»، ولكن يتناولها هذا العلم لا من منظور تحقق المصداق التام للكلمة على أرض الواقع، بل من منظور مستوى الجودة التي يريدها العميل؛ وذلك لأن الدرجة الأعلى من الجودة ليست مطلوبة دائمًا بسبب التكلفة العالية. ولذلك نرى التفاوت في جودة كثير من المنتجات بحسب احتياج العميل لذلك المنتج، والتكلفة المادية «المال» التي يمكنه تقديمها لشراء ذلك المنتج. وفي بعض الحالات يستطيع العميل دفع المال، ولكن تكون مستويات الجودة أعلى مما يريده، فكما يقال اصطلاحيًّا: «Overqualified».
هنا نماذج عن سبب تفاوت الجودة في بعض المنتجات الصناعية، تعطي تصويرًا واقعيًّا، زودنا بها صديقنا «الخوارزمي» إن صح التعبير:
1. السيارات تتفاوت جودتها بسبب جودة المواد، ودقة التصنيع، والعزل، وأنظمة السلامة، والأداء، والراحة.
2. الهواتف الذكية تتفاوت جودتها بسبب المعالج، والشاشة، والكاميرات، وجودة التصنيع.
3. الحواسيب المحمولة تتفاوت جودتها بسبب الأداء، والمتانة، وجودة المكونات.
ولو دققنا لوجدنا أن أنجح الشركات رواجًا هي تلك التي توفر خيارات تناسب جميع الميزانيات؛ فمنها الاقتصادي، والمتوسط، والفاخر، فيختار كل شخص ما يناسب قدرته المالية ومستوى الجودة الذي يريده. وهنا نقطة يجدر تسليط الضوء عليها؛ إذ يوجد تقسيم للتخصص بين التخصص الكلي والجزئي، فمثلًا كل من درس الرياضيات متخصص جزئي، ومن تخصص فيها فتخصصه كلي، فلعل المثقف قد يكون قريبًا من المتخصص الجزئي، ولكن بمراتب أقل.
ولو أردنا توظيف هذا المفهوم في الثقافة، لوجدنا في ساحة «العلوم والتخصصية» أن الإتقان التام لتخصص ما يمثل أعلى مستويات الجودة، والمنتج هو «العلم بكل تفاصيله».
فـ «الجودة العلمية العالية» مكلفة من ناحية الجهد، ومعرقلة لمحب الثقافة «العميل» من ناحية التوسع في الاطلاع على الروافد العلمية المتنوعة. فالعميل «المتثقف» هنا لا يريد أن يطرح رأيًا ولا أن يدخل في تفاصيل كل نقطة منه، وإنما يريد مقدارًا من العلم بدقة محدودة تخدم هدفه الثقافي. فالإتقان التام، «الجودة بالمستوى الأعلى»، مكانه مجال التخصص، أما في سلوك المسعى الثقافي فلا حاجة إلى ذلك المستوى. نعم، يجب أن تكون الجودة في اختيار المصدر الأقرب إلى الصحة، وفهم المطلب كما يفهمه المختص، ونقله بأمانة.
فمن يريد صناعة ثقافة لنفسه لا بد من تجاوز الحدود الصارمة، بألّا يغرق في تفاصيل العلوم؛ فالمثقف دوره الاطلاع «بإتقان محدود»، وليس الوعي التام بتفاصيل العلوم؛ لأن الوعي دور المختص الذي يريد إخراج نتائج على أسس ذلك العلم، والمثقف دوره نقل آراء العلماء أو المختصين، وقد يميل إلى رأي أحدهم بحسب مقدار استيعابه. والتعمق الذي يطمح إليه بعض من تهمهم الجوانب الكمالية يكتسب مع الزمن؛ فالحياة مليئة بالمهام التي تستنزف وقت الفرد، وليست الثقافة وحدها، أما العلوم الدينية فيجب التزود منها لرفع قيمة العمل، فركعتان من عالم أفضل من سبعين من جاهل.
فلو تعاملنا مع العلوم بهذه اللذة المعرفية، لوصلنا إلى مرحلة النهم، ولا يسأل هذا النهم عن سبب اطلاعه على علم هامشي لهذا السبب. وكما يقول سيد البيان، أمير المؤمنين
: «منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال». وقد يمكننا فهم طلب العلم بمراتبه المتفاوتة شدةً وضعفًا؛ ليدخل من ضمنها النهم الثقافي.
النهم الثقافي «سياحة فكرية» قد يراه البعض ترفًا ثقافيًّا، ولكن في جانب آخر تُفتح آفاق قد يتميز بها المتوسع في تلقي المعلومات الثقافية، ما يجعل لديه رؤية أوسع، وأوضح، أو أشمل، وما إلى ذلك، عمّن يحصر نفسه في مجال واحد فقط. وشاهد ذلك أن تلاقح العلوم، وتبادل نتائجها التخصصية، أنتج هذا التقدم العلمي المشهود، وقطعًا له الأثر على الفرد إذا أحسن التفاعل والتعامل معه ثقافيًّا.
التخصص أولًا، ولا يُعلى عليه، فالمثقف الواعي لا يزاحم المختص في صناعة العلم ومناقشته إلا برأي مختص آخر.













