العلاقات وحوكمة بيئات العمل
لا تتأثر الشركات والمؤسسات عندما تختلف الآراء، ولا عندما يتنافس الموظفون، بل عندما تُغلق أبواب المنافسة من الداخل، وتصبح الفرص تدور داخل دائرة محدودة لا يدخلها إلا من يعرف الطريق إليها.
هذه ليست مشكلة أشخاص، بل مشكلة تنظيم.. فالعلاقات الإنسانية جزء طبيعي من بيئات العمل، ولا يمكن، ولا ينبغي، محاربتها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العلاقة إلى معيار غير معلن لاتخاذ القرار، فيصبح القرب من صاحب القرار أكثر تأثيرًا من الكفاءة، ويغدو الانتماء إلى دائرة معينة مفتاحًا للتكليف، أو الترقية، أو المشاركة في اللجان، أو تمثيل المؤسسة، أو حتى التغاضي عن الأخطاء.
عندها لا يعود السؤال: من هو الأكفأ؟ بل: من هو الأقرب؟
الحوكمة الحديثة تقوم على بناء منظومة تجعل القرار بضوابط واضحة وقابلة للمراجعة. ويؤكد معيار «ISO 37000»، كما تؤكد مبادئ «G20/OECD» لحوكمة الشركات، ضرورة إدارة تضارب المصالح؛ لأن غيابها يضعف نزاهة القرار ويقوض ثقة العاملين وأصحاب المصلحة.
والواقع أن التحديات لا تبدأ من إعلان وظيفة، بل من القرارات اليومية التي قد تبدو صغيرة، لكنها ترسم مستقبل المؤسسة. فمن يُكلَّف بقيادة مشروع؟ ومن يمثل المؤسسة في اللجان؟ ومن يُرشح للدورات الإدارية؟ ومن تُتاح له فرص الظهور والتطوير؟ هذه القرارات تصنع مديري الغد. فإذا بقيت حبيسة دائرة مغلقة، فإن المؤسسة تعيد إنتاج الوجوه نفسها، وتفقد تدريجيًا قدرتها على اكتشاف الكفاءات الجديدة.
والمشكلة ليست في أن يثق المدير بموظف معين، فالثقة عنصر مهم في العمل الإداري، لكن تلك الثقة يجب ألا تتحول إلى احتكار دائم للفرص.
فالمؤسسات العامة ليست ملكًا للأشخاص، بل هي مؤسسات أُنشئت لخدمة الصالح العام، ومن حق كل موظف تتوافر فيه الكفاءة أن ينافس على الفرص وفق معايير معلنة وعادلة.
ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى ضوابط مؤسسية واضحة. تبدأ بإلزام أعضاء لجان التوظيف والتكليف بالإفصاح عن أي تضارب مصالح، وإعلان معايير الاختيار قبل اتخاذ القرار، وتوثيق أسباب الترشيح والتقييم، وإخضاع الاستثناءات لمراجعة مستقلة، وتدوير عضوية اللجان، وإتاحة قنوات آمنة للإبلاغ عن التجاوزات، وهو ما يتسق مع متطلبات «ISO 37301» في بناء ثقافة امتثال قائمة على العدالة والشفافية والمساءلة.
كما أن المؤسسات تحتاج إلى مراجعة دورية لتوزيع الفرص الداخلية، لا لمحاسبة الأفراد، بل لاكتشاف ما إذا كانت التكليفات والمشاركات القيادية تتركز بصورة متكررة في دائرة محدودة. فالبيانات هنا تصبح أداة لتحسين الحوكمة، لا وسيلة للاتهام.
إن أخطر ما تفعله الدوائر المغلقة أنها لا تهمش الكفاءات فحسب، بل تدفعها إلى الانسحاب بصمت. وعندما يغادر أصحاب الخبرة، لا تخسر المؤسسة أشخاصًا فقط، بل تخسر التنوع في الرأي، والقدرة على النقد البنّاء، والابتكار، وتصحيح المسار.
ختاما: الحوكمة الحقيقية هي قدرة المؤسسة على أن تثبت، في كل قرار، أن الفرصة كانت متاحة للجميع، وأن الاختيار بُني على الكفاءة لا على القرب، وعلى الاستحقاق، فحين يشعر الموظف أن الطريق إلى التقدم يمر عبر العمل والإنجاز، لا عبر العلاقات، عندها فقط نستطيع أن نقول إن الحوكمة انتصرت، وإن المؤسسة أصبحت أقوى من أي دائرة مغلقة.













