الطائفية مأزق الوعي الحضاري
لا مناص أن الطائفية في العالم الإسلامي ليست مجرد خلاف مذهبي متوارث، عند التأمل الأعمق، تكتشف بوصفها إحدى أكثر البنى تعطيلًا للمشروع الحضاري المسلمين، كونها لا تقف عند حدود الاختلاف العقدي أو الفقهي المشروع، وإنما تتجاوز ذلك عندما تصبح منطق شامل في تشكيل الوعي، وأداة لإعادة توزيع الولاءات، نظام لغوي تُدار به الخصومات السياسية والاجتماعية، حتى يغدو الانتماء المذهبي أقوى من الانتماء إلى الأمة، وأصلب حضوراً ورسوخاً من فكرة العمران الجامع المانع والمشترك بين التنوعات المسلمة.
وعليه السؤال عن تفكيك الطائفية ليس سؤالاً ثانوياً قابل لتأجيل الإجابة عنه في الفكر الإسلامي المعاصر، بل هو سؤال أساسي واستعجالي وأي تخاذل عن خوض غمار تفكيكه سيمسّ قلب مشروع النهضة: كيف يمكن لأمة منقسمة في داخلها أن تنتج حضارة متماسكة في الخارج؟ هذه المسألة مصداقيتها أنها تكشف عن خلل يتجاوز المجال الديني الضيق، حيث لما تتجذر الطائفية، يصبح الخلاف وسيلة للتعبئة، وتكون الذاكرة مجالاً لإعادة خدش الجراح بدل مداواتها، وينتج التنوع الخوف المتبادل. عندئذٍ لا تصبح النهضة مجرد مشروع اقتصادي أو إداري، بل تصبح بالدرجة الأولى مشروعاً لتحرير الوعي من الانحباس داخل الهويات المغلقة القاتلة لأي فكرة حية، مع إعادة بناء الثقة بين مكونات الجماعة الحضارية الواحدة، لذلك لا يمكن تصور الطائفية بوصفها مجرد ”مشكلة علاقات بين مذاهب إسلامية“، لأن هذا التوصيف يموه وزنها البنيوي، ويُبقيها في حدود الأخلاق العامة، بينما هي في الواقع تمسّ شروط الاجتماع العام والخاص للمسلمين، ويشوه نوعية المعرفة الدينية، وطبيعة التمثّل الرمزي للذات والآخر.
ينطلق هذا البحث من سؤال مركزي مفاده: كيف يمكن تفكيك الطائفية باعتبارها عائقاً بنيوياً أمام مشروع النهوض الحضاري، من دون الوقوع في إنكار التنوع المذهبي أو مصادرة حق الاختلاف؟ كما ينحدر عنه عدة إشكاليات داعمة: ما الذي يجعل الطائفية تتحول من مجرد اختلاف إلى نظام انقسام؟ وكيف أسهمت البنى السياسية والمعرفية في ترسيخها؟ وما نوع التحول المطلوب في الخطاب الديني والمؤسسات التربوية والمجال العام حتى يتحول التنوع المذهبي من مصدر توتر إلى مصدر غنى حضاري؟
لا يمكننا ان ننظر للتنوع المذهبي في ذاته كمشكلة، بل هو جزء من التاريخ الإسلامي ومن طبيعته الاجتهادية الواسعة، بينما المشكلة تبدأ حين لا يُدار هذا التنوع ضمن أفق مرجعي جامع، أو يُنزَع من سياقه العلمي ليصبح علامة على الاصطفاف والعداء والتسقيط واللاتسامح، هنا لا يعود الخلاف مادةً للاجتهاد والتكامل والحوار والتعارف والتعايش، بل يتحول إلى هويات متصلبة تشتغل بمنطق ”نحن“ في مواجهة ”هم“، هذا المأزق هو جوهر الطائفية، لأنه يعيد تعريف العلاقات بين المسلمين لا على أساس المقاصد الكبرى أو المصالح المشتركة، بل على أساس الحدود النفسية والرمزية التي تصنعها الذاكرة المشوهة والخطابات الاقصائية.
ولعل أخطر ما في الطائفية أنها تحتكر المجال العقائدي، وتتسرب إلى السياسة والتعليم والإعلام، فتنتج أجيالاً تتعلم رؤية الاختلاف بوصفه تهديداً مسبقاً، هكذا يصبح الانفكاك من الطائفية أمراً يتطلب أكثر من نوايا حسنة؛ إنه يحتاج إلى إعادة تشكيل البنية التي ينتج منها الوعي نفسه، ومن غير هذا الشرط البنيوي، ستظل الدعوة إلى الوحدة أقرب إلى التمنيات الأخلاقية منها إلى الاجتهادات التاريخية الفاعلة.
لاريب ان كل مشروع للنهوض الحضاري لا يمكنه ان يستند إلى تجميع القوى المادية وحدها، بل يستند إلى شرط أسبق هو القدرة على بناء وحدة معنوية وأخلاقية تسمح بتوجيه الطاقات نحو هدف مشترك. لأن النهضة لا تتحقق في مجتمع يتآكل من الداخل، حيث التآكل الداخلي يبدد الثقة، ويضعف الإرادة الجماعية، ويجعل كل إصلاح جزئي عرضة للانهيار عند أول مطب أو أزمة، ومن هنا فإن تفكيك الطائفية ليس عملاً جانبياً، بل هو جزء من إعادة تأسيس المجال الحضاري ذاته، وصياغة هذا الوعي تتقاطع مع ما نبه إليه الفكر الإصلاحي الإسلامي في صيغ متعددة من شتى المذاهب والمدارس الإسلامية، فالاستبداد مثلاً، ليس مجرد خلل في السلطة، بل هو بيئة تولّد العصبيات وتستثمرها، والجهل المتبادل ليس مجرد تشوه أو نقص في المعرفة، بل هو شرط لإدامة وتعميق القطيعة، ثم إن التسقيط المتعمد للآخر ليس مجرد خطأ في السرد، بل هو وسيلة لإبقاء المسلمين داخل دائرة الخوف من بعضهم البعض.
لهذا تصبح الوحدة هنا مفهوماً حضارياً مركباً، لا شعاراً عاطفياً أو خطابات للتكاذب أو المجاملة، إنها تعني أن تتقدم الأمة بوعيها العام على حساسياتها المذهبية التي هي في الأصل اجتهادات بشرية يمكنها اللقاء والتعارف والتعاون والتعايش، دون ان تغفل هذه الأمة عن النظر إلى تعددها بوصفه طاقات قابلة للتكامل لا سبباً للتمزق والتناحر.
عند التمحيص في التجارب الحديثة، نكتشف أن الطائفية لا تنشأ دائماً من النص الديني نفسه، بل كثيراً ما تُصنع في منطقة التوظيف السياسي والاجتماعي، فحين يحتاج محرك الطائفية إلى تثبيت موقعه، أو حين تبحث القوى الهدامة عن أدوات تعبئة سريعة، يكون الانقسام المذهبي استثماراً جاهزاً ومربحاً، حيث يصبح ما كان بالأمس اختلافاً علمياً يتحول اليوم إلى خطاب تهييج طائفي، ثم إلى رموز للفرقة والاصطفاف المذهبي، ثم إلى سردية جماعية مغلقة تحرك آلة الخوف وتستدعي عواطف العداء.
هذا الاستثمار هو الذي يجعل الطائفية أكثر خطراً من مجرد التعصب الفردي؛ لأنها تتغذى من شبكات مصالح ومؤسسات وخطابات وسرديات قديمة يتم تحديثها، ويستفاد من هشاشة وارتباك المجال العام.
لهذا لابد من إدراك وبعمق أن معالجتها لا يمكن أن تكون مجرد وعظ فردي، بل ينبغي أن تشمل إصلاحاً في وعي الأمة، وفي المناهج التعليمية، وفي الإعلام، وفي المؤسسات الدينية نفسها، وإذا لم يُمسَّ هذا المستوى العميق، فإن أي مشروع نهضوي للأمة الإسلامية نحو الكلمة السواء سيظل هشّاً، لأن المؤامرات ستبقى قائمة حتى لو خفّ الخطاب في العلن.
تجاوز مأزق الطائفية نحو النهوض، يقتضي أولاً إعادة بناء الوعي، وهذا الوعي لا يُبنى على الإلغاء، بل على التمييز بين ما هو اجتهادي وما هو أصيل، وبين ما هو تاريخي قابل للمراجعة والمناقشة وما هو مقصدي جامع، عندما يدرك المسلم أن الاختلاف المذهبي لا ينقض وحدة الدين، وأن الانتماء إلى مدرسة فقهية لا يستلزم العداء لغيرها، تبدأ الطائفية في فقدان قدرتها على التأثير، بينما حين تُقدَّم المذاهب بوصفها كيانات مغلقة مقدسة مكتفية بذاتها، فإن الانقسام يتصلب والشقاق يتوسع ويتعمق، ويصبح الحوار لاحقاً مكلفاً جداً.
إن هذا الوعي المرتجى يحتاج أيضاً إلى لغة جديدة، فالكلمات ليست بريئة، لأنها لا تصف الواقع فقط بل تصنعه، حيث كل خطاب يصر على ترسيخ الصور النمطية عن الآخر، أو يختزل جماعة كاملة في تاريخها الجدلي، يسهم في تثبيت الانقسام حتى لو زعم الدفاع عن الحقيقة. لذلك فالتفكيك الحقيقي للطائفية يبدأ من مراجعة اللغة نفسها: كيف نصف المختلف؟ كيف نرويه في كتبنا؟ كيف ندرّسه؟ وكيف نُدخله في المجال العام بوصفه شريكاً لا خصماً؟
لا يمكن فصل الطائفية عن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر: كيف نوفق بين التراث والتجديد من دون أن يتحول التراث إلى مقدس، أو التجديد إلى تحريف؟ الطائفية تزيد هذا السؤال تعقيداً لأنها تُحمّل الهوية المذهبية حمولةً زائدة تجعلها تقاوم كل انفتاح أو حوار أو مقاربات، فبدل أن يكون التجديد استجابة داخلية لمقتضيات العصر، يصبح موضع شبهة، وبدل أن يكون الاجتهاد وسيلة لتوسيع الفهم، يغدو مجالاً للصراع على الشرعية والملكية المطلقة للحقيقة.
لذا فإن تفكيك الطائفية لا ينفصل عن بناء تصور ناضج للتجديد داخل المجال الإسلامي. التجديد هنا لا يعني استيراد المنطق الغربي في غربلة التراث، بل يعني بناء وعي ديني عقلاني عادل يسمح بإدارة التعدد من غير هيمنة، ويضمن للمذاهب والاتجاهات حقها في الوجود والتعبير ضمن إطار المواطنة والعدل والتعارف فيما بينها وفق منطق استماع القول الأحسن والكلمة السواء والتعاون على البر والتقوى. عندما يتحقق هذا المستوى، يصبح من الممكن أن يتحاور التراث مع التجديد، أما استمرار الطائفية فيجعل الحوار والتعارف والتعايش عسيراً، لأن كل طرف يقرأ التجديد من خلال خوفه المذهبي، لا من خلال حاجات الأمة.
تفكيك الطائفية يستدعي استراتيجية متعددة المستويات:
أولاً، لا بد من تحرير الخطاب الديني من نزعة الإقصاء، وإعادة الاعتبار للمشترك الإسلامي بوصفه قاعدةً أعلى من الانتماءات الفرعية.
ثانياً، ينبغي مراجعة المناهج التعليمية حتى لا تُعيد إنتاج الصور المتعصبة في أذهان الأجيال الجديدة.
ثالثاً، يلزم بناء مجال عام عادل يضمن المساواة في الحقوق والتمثيل، لأن غياب العدالة هو أحد أهم الشروط التي تنمو فيها الطائفية وتترسخ وتستشري كأي داء فتاك.
والأهم من ذلك كله أن تتحول الوحدة من دعوة خطابية إلى ممارسة يومية: في المدرسة، والجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، حيث الوحدة لا تصنعها الخطب الكبيرة وحدها، بل تصنعها التفاصيل الصغيرة التي تعيد تأسيس العادة الاجتماعية على الثقة بدل الريبة وسوء الظن، عندما يبدأ الناس في رؤية الآخر شريكاً في الحياة العامة لا مهدداً لها، تكون الطائفية قد فقدت جزءاً كبيراً من قوتها.
إن الطائفية ليست مجرد مشكلة جانبية في العالم الإسلامي، بل هي أحد العوائق العميقة التي تعطل تشكل المشروع الحضاري، كونها تضعف الثقة، وتستنزف الطاقات، وتعيد المجتمعات إلى منطق الاصطفاف بدل منطق اللقاء والبناء، لذلك فإن تفكيكها ليس مهمة أخلاقية فقط، بل هو شرط من شروط النهضة نفسها، فلا عمران من دون وحدة معنوية، ولا وحدة من دون عدالة، ولا عدالة من دون وعي يحرر التنوع من أن يصبح آفة تمزق وتناحر وتخلف.
إن الرؤية الحضارية التي يمكن أن تنهض في هذا السياق هي رؤية تعتبر التعدد المذهبي ثراءً تاريخياً، لكنها ترفض تحويله إلى حدود وهمية مقدسة بين المسلمين، بل هي رؤية تدرك أن التعايش لا يكفي إذا لم يُدعَم بالإنصاف والرحمة وحفظ كرامة الأخ في الدين مثلما هي الحال مع النظير في الخلق، وأن الخطاب الوحدوي لا يكفي إذا لم يتحول إلى إصلاح تربوي وسياسي ومعرفي وثقافي شامل.
وبالتالي فإن الآفاق البحثية المستقبلية ينبغي أن تتجه إلى دراسة أثر التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية في إنتاج أو تفكيك الطائفية، وإلى تحليل النماذج التي نجحت نسبياً في إدارة التنوع داخل إطار المواطنة والمشترك الحضاري سواءاً عربيا أو عالميا..













