آخر تحديث: 3 / 7 / 2026م - 9:05 م

قلب الشاعر ومرآة القارئ

عبد الله صالح الخزعل

في كل نصٍّ يُقال إن المعنى في قلب الشاعر؛ غير أنّ هذه العبارة ليست ترفًا لغويًا، بل إشارةٌ إلى حقيقةٍ أعمق: أن الكلمة حين تُقال لا تُغادر قلب قائلها كاملة، بل تخرج منه ناقصةً قليلًا، كأنها تبحث عمّن يُتمّها بفهمه. فالشاعر يضع في البيت ما عاشه، وما خَبِره، وما لم يستطع أن يقوله صراحةً، ثم يترك للقارئ أن يملأ الفراغات بما يحمل هو من ذاكرةٍ وخبرةٍ وجرحٍ قديم. وهكذا يصبح النصّ كائنًا ذا وجهين:

وجهٌ يراه الشاعر، ووجهٌ يراه القارئ.

وبين الوجهين تتشكّل المسافة التي يولد فيها التأويل. فالقارئ لا يقرأ البيت كما كُتب، بل كما هو مُهيّأٌ أن يفهمه؛

العالِم يقرأه بعقله،

والاجتماعيّ بعلاقاته،

والدينيّ بروحه،

والثقافيّ بسياقه،

وكلٌّ يضيف إلى النصّ طبقةً لم تكن فيه، لكنها كانت فيه بالقوّة، تنتظر قارئًا يوقظها.

وهذا لا يخصّ الشعر وحده؛ فالخطيب حين يطرح فكرةً يظن أنه أوصلها، لكن المستمعين لا يتلقّونها كما خرجت منه، بل كما دخلت إليهم. يدخلها التعب، أو الفرح، أو الخلفية المعرفية، أو التجربة الشخصية، فتتغيّر الدلالة دون أن يتغيّر الكلام. والكاتب كذلك؛ يكتب جملةً يراها واضحة، فتتحوّل عند قارئٍ آخر إلى سؤالٍ وجوديّ أو اعتراضٍ أو حكمةٍ لم يقصدها. بل إن هذا ينطبق على تواصلنا الاجتماعيّ اليومي:

نكتب كلمةً في لحظة صفاء، فيقرؤها آخر في لحظة ضيق، فتتبدّل معناها.

نرسل رأيًا، فيُفهم كحكم.

نقصد اللطف، فيُقرأ شدّة.

ونقصد المزاح، فيُستقبل كجدٍّ صارم. وهنا تتجلّى الفكرة النَيِّرة:

أن المعنى ليس ملكًا لمن قاله، ولا لمن تلقّاه، بل هو ابنُ المسافة بينهما.

مسافةٌ تصنعها التجارب، واللحظة، والذاكرة، واللغة، وكل ما لا نراه حين نتحدّث أو نكتب. ولعل أجمل ما في هذا الاختلاف أنه ليس سوء فهم غالبًا، بل دليلٌ على أن الإنسان لا يستقبل العالم بعينه فقط، بل بقلبه أيضًا.

فالشاعر يضع المعنى في قلبه، والقارئ يأخذه إلى قلبه، وبين القلبين يولد النصّ الحقيقي: نصٌّ لا يشبه الشاعر وحده، ولا يشبه القارئ وحده، بل يشبه الحياة نفسها… واسعة، متعدّدة، وممتلئة بما يكفي ليتّسع هذا الاختلاف الجميل.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 3 / 7 / 2026م - 5:40 م
في سياق حديثك استاذ عبدالله، عن المعنى في قلب الشاعر، تحضر تلك “الشفرة الشعرية السرّية” التي اشتهر بها الزير سالم، المهلهل بن ربيعة، فارس الجاهلية وصاحب حرب البسوس التي اشتعلت أربعين عامًا ثأرًا لأخيه كليب.

في أواخر عمره، وبعد أن كلّ السيفُ يده واعتزل القتال، خرج المهلهل في رحلة يصحبه فيها عبدان من عبيده. وحين طمعا بما كان معه من مال ومتاع، دبّرا قتله. أدرك المهلهل نيّتهما، وشعر بقرب أجله، فطلب منهما — بثبات العارف بمصيره — أن يبلّغا قومه بيتًا من الشعر، وقال:

من مُبلِغُ الحيَّينِ أنَّ مُهلهلًا
للهِ دَرُّكما ودرُّ أبيكما

قتلاه ودفناه في الفلاة، ثم عادا إلى الحيّ مدّعيَين أنه مات ميتةً طبيعية، وأنه أوصاهما بهذا البيت.

لكن اليمامة، ابنة أخيه، وكانت فطنةً شاعرة، استغربت نقص البيت وقالت: “إن عمّي لا يقول شعرًا ناقصًا”، ثم أكملته:

من مُبلِغُ الحيَّينِ أنَّ مُهلهلًا
أضحى قتيلاً في الفلاةِ مُجندلًا
للهِ دَرُّكما ودرُّ أبيكما
لا يبرحِ العبدانِ حتى يُقتلا

فانكشف القاتلان، ونُفّذ فيهما القصاص.