آخر تحديث: 4 / 7 / 2026م - 10:48 م

مظلومية الحسين في القانون الدولي

الدكتور ماهر آل سيف *

ليست كربلاءُ خبرًا يُروى، ولا جرحًا يُطوى، ولا مأتمًا يُقام ثم يُنسى؛ بل هي آيةٌ من آيات الوعي، ورايةٌ من رايات الحق، وصرخةٌ خرجت من صدر النبوة، فاستقرت في ضمير الإنسانية.

عرفت الدنيا مآسي تُبكي الحجر، ومظالم تُدمي البشر؛ من محارق وحروب، وقنابل وخراب، ودموعٍ ودماء، وكلُّ ألمٍ إنسانيٍّ له حرمته، وكلُّ دمٍ بريءٍ له منزلته. لكن كربلاء ليست مأساة قومٍ دون قوم، ولا حزن طائفةٍ دون أمة؛ إنها جرح الرسالة في بيت الرسالة، ومظلومية الطهر في ساحة الغدر، وذبحُ العدل على مرأى من السيف والشيطان.

الحسين لم يكن رجلًا عاديًا في زمنٍ عادي؛ بل هو ابن بنت رسول الله ﷺ، وريحانته، وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة. قال فيه النبي: «حسين مني وأنا من حسين»، وقال في الحسن والحسين: «هما سيدا شباب أهل الجنة». فأيُّ قلبٍ لا يرتجف، وأيُّ عقلٍ لا يقف، حين يُقتل من قبّله النبي، ويُذبح من أحبّه المصطفى، ويُساق أهله سبايا، وتُرفع الرؤوس على الرماح، وتُكسر حرمة البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيرًا؟

في كربلاء لم يُقتل الحسين وحده؛ بل قُتلت المروءة حين استغاث فلم يُغاث، وقُتلت الرحمة حين حُرم الماء وهو ابن ساقي الكوثر، وقُتلت العدالة حين صار السيف حَكَمًا، وصار المال دينًا، وصار الصمت شريكًا، والخوف شريعةً، والخذلان أمة.

قُتل الحسين، وقُتل معه شبابه وأصحابه وإخوته وأبناؤه؛ ثم لم يكتفِ الظلم بالدم، حتى مدّ يده إلى الحرم، فسار بنساء بيت النبوة سبايا من كربلاء إلى الشام، لا لأنهن حملن سلاحًا، بل لأنهن حملن شهادة الحق، ولا لأنهن طلبن ملكًا، بل لأنهن رفضن ذلًا. وهناك قامت زينب لا بسيفٍ في يد، بل ببيانٍ في فم، فهزمت عرش الغرور، وكشفت وجه الزور، وجعلت من الأسر منبرًا، ومن القيد قدرًا، ومن الدمع درسًا لا يندثر.

ومن هنا، لا نطلب من العالم أن يكره أحدًا لأجلنا، ولا أن يخاصم أمةً في سبيل حزننا؛ بل نطلب أن تُقرأ كربلاء كما هي: مدرسةٌ في رفض الاستبداد، وميثاقٌ في صيانة الكرامة، وذاكرةٌ إنسانيةٌ ضد القهر، لا رايةُ انتقام، بل رايةُ إصلاح وسلام.

نعم، يحق لنا كمسلمين أن نرفع مظلومية الحسين بلغة القانون والبيان، بلغة الوثيقة لا الفتنة، والحقيقة لا الضغينة، والوعي لا الوعيد. يمكن أن تُترجم خطبه، وتُوثّق سيرته، وتُدرّس نهضته، وتُعرض مظلوميته في المحافل الثقافية والحقوقية والإنسانية، لا لتجريم المخالف، ولا لتأجيج المذاهب، بل لتصحيح صورة الإسلام الذي رفض الظلم، وحفظ الإنسان، ورفع ميزان العدل والبيان.

إن القانون الدولي لا يعيد محاكمة التاريخ بأثرٍ رجعي، لكنه يعرف قيمة الذاكرة، ويقدّر التوثيق، ويحترم التراث الإنساني إذا قُدّم بعقلٍ رصين، ولسانٍ مبين، ومقصدٍ أمين. وكذلك القانون، في روحه العامة، يقوم على العدل، وحفظ الكرامة، ومنع التحريض، وصيانة السلم؛ ولذلك تكون نصرة الحسين أبهى حين تُقال بلسانٍ عادل، وقلبٍ هادئ، وقلمٍ لا يظلم وهو يكتب عن الظلم.

فلتكن مظلومية الحسين مشروع وعي، لا موجة غضب؛ ومنهج إصلاح، لا منبر خصام؛ وذاكرة عدل، لا نار جدل. فالحسين لم يخرج ليمزق الأمة، بل ليوقظ الأمة؛ ولم ينهض ليصنع ثأرًا، بل ليحفظ دينًا؛ ولم يُقتل ليبقى الحزن حزنًا، بل ليصير الحزن وعيًا، والدم عهدًا، والدمعة موقفًا.

سلامٌ على الحسين يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم بقي في ضمير الأحرار خالدًا. وسلامٌ على كربلاء؛ أرضٌ صغيرةٌ في الجغرافيا، عظيمةٌ في المعنى، محدودةٌ في الرمل، ممدودةٌ في الرسالة، كلما حاول الظلم أن يدفنها، أخرجت من ترابها فجرًا لا يغيب، وحقًا لا يموت، ونداءً يقول: هيهات منّا الذلة.