العمل التطوعي من الرفاهية إلى الجدّية
يظل العمل التطوعي واحدًا من أجمل ما يثبت أن الخير لم يغادر الإنسان بعد. التطوع يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. يعلّمه التواضع، ويكسبه حسّ المسؤولية، ويوسّع وعيه ليرى الحياة خارج دائرته الضيقة. فالإنسان الذي يمد يده للناس، يكتشف غالبًا أن العطاء لا ينقصه، إنما يزيده نضجًا وعمقًا ورضًا.
العمل التطوعي يصنع أفرادًا أكثر إنسانية، وأكثر وعيًا بقيمة التضامن والتكافل. إذ إنه يحرّر الإنسان من الأنانية، ويعيد إليه فطرته الأولى، فطرة الرحمة والإحساس والمشاركة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: 184]، وأشار القرآن الكريم كذلك إلى مجموعة من مصاديق العمل التطوعي كالحث على إعطاء الصدقة، أو الأمر بالمعروف، أو الإصلاح بين الناس كما في قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].
وعلى مستوى المجتمع، فإن العمل التطوعي ليس رفاهية اجتماعية، بل ضرورة حضارية. المدارس، المستشفيات، المبادرات الشبابية، حملات الإغاثة، برامج التعليم، رعاية الضعفاء… كلها مساحات يثبت فيها التطوع أنه شريك أساسي في بناء المجتمعات. أما لتحويل التطوع من الرفاهية إلى الجدّية، فنحتاج إلى أمرين: بناء نظام، وربط التطوع بنتائج قابلة للقياس. ويتم ذلك من خلال خطوات، منها أن نجعل التطوع «مهمّة» لا «مزاجًا» - وضع هدفًا قابلًا للقياس - تحديد الأدوار والمسؤوليات - تأهيل الكوادر عبر التدريب - الالتزام بالوقت وتحديد أوقات العمل - المتابعة وتقييم النشاط - ربط التطوع بالمهارات - توفير موارد وميزانيات واضحة - دعم ثقافة التطوع لدى الأفراد. كثير من العمل التطوعي يتحول إلى رفاهية بسبب كثرة الصور والاحتفال وقلة العمل الحقيقي. فلكل نشاط «نتيجة» ملموسة قبل أي اهتمام بالشكليات.
فحين يلتقي الغني بالفقير في مساحة إنسانية، وحين يقترب الميسور من معاناة المحتاج، وحين يرى صاحب الامتياز الواقع الذي يعيشه المهمشون، تتغير أشياء كثيرة. تسقط الحواجز النفسية. تضعف الصور النمطية. ويحل الفهم محل الأحكام المسبقة.
إنه يذكّر الجميع بأن المجتمع ليس طبقات متباعدة تعيش في جزر معزولة، بل كيان واحد، إذا تألم جزء منه، تضرر الكل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
في بعض الأحيان يصبح التطوع مرتبطًا بالمظاهر، أو بتحسين الصورة العامة، أو ببناء حضور اجتماعي وإعلامي. بعض الناس صاروا يتعاملون معه كوسيلة للظهور، لا كقيمة للعطاء. وهنا يكمن الخطر. فالعمل التطوعي الحقيقي إنما يُقاس بقيمة الأثر الذي بقي، وبما خفف من ألم، وبما أحدثه من فرق حقيقي.
إن المجتمعات التي لا تعلي من قيمة التطوع، مجتمعات مهددة بالجفاف الأخلاقي، مهما امتلكت من المال أو الموارد. لأن العمل التطوعي ليس عملًا إضافيًا يقوم به بعض الطيبين دون غيرهم، إنه معيار حضاري، ومقياس أخلاقي، وشاهد حي على مقدار الإنسانية التي لا تزال تسكننا.
علينا أن نسأل أنفسنا: كم مرة كنا جزءًا من حل في حياة الآخرين؟ وكم مرة مررنا بألم الناس وكأنه لا يعنينا؟ ولكي نكون جزءًا حقيقيًا في حل مشكلات الناس فالفكرة ليست «تقديم مساعدة عامة»، بل في فهم المشكلة - واختيار الوقت المناسب للمساهمة في الحل - والتنفيذ بجودة - والتعاون - والمتابعة.
بين هذين السؤالين… يتحدد شكل الإنسان الذي بنيناه. ويتحدد شكل المجتمع الذي نعيش فيه.













