آخر تحديث: 4 / 7 / 2026م - 10:48 م

اقتصاد الانتباه في زمن الرؤية

غسان علي بوخمسين

يكفي التجول مساءً في أحد شوارع مدينة خليجية، لرؤية مشهد متكرر. طوابير تمتد أمام مقهى افتتح حديثًا، وسيارات تدور بحثًا عن موقف، وهواتف توثق اللحظة قبل أن تبدأ التجربة نفسها. وبعد أشهر قليلة، يختفي الزحام، وتُزال اللافتة، ويبدأ مشروع جديد رحلته في المكان ذاته.

قد تبدو هذه مجرد دورة طبيعية في عالم الأعمال، لكنها تكشف عن مفارقة تستحق التأمل. ففي الوقت الذي تستثمر فيه دول الخليج في مدن ورؤى اقتصادية تمتد لعقود، أصبح جزء من النشاط الاقتصادي اليومي يعيش على إيقاع اللحظة. فالمدن تُخطط للمستقبل، بينما بعض المشاريع تُبنى على عمر لا يتجاوز دورة الاهتمام على وسائل التواصل.

ليست المشكلة في افتتاح مشروع وإغلاق آخر؛ فهذه طبيعة الأسواق النشطة. الجديد هو أن قيمة المشروع لم تعد تُقاس دائمًا بقدرته على الاستمرار، بل بقدرته على جذب الانتباه بسرعة. وكأن النجاح لم يعد يبدأ ببناء قاعدة من العملاء، بل ببناء طابور أمام الباب.

لقد غيّر الاقتصاد الرقمي طبيعة المنافسة، فهي لم تعد على جودة المنتج وحدها، بل على القدرة على خطف الانتباه في اللحظة المناسبة. وأصبح الانتباه نفسه أصلًا اقتصاديًا تتنافس عليه المشاريع كما تتنافس على رأس المال أو الموقع الجيد. فالخوارزميات تكافئ الجديد باستمرار، والانتشار السريع يمنح المشروع دفعة قد تعجز الحملات التسويقية التقليدية عن تحقيقها.

هذا التحول لم يغيّر سلوك المستهلك فقط، بل غيّر طريقة التفكير في الاستثمار أيضًا. فبدلًا من أن يكون السؤال: كيف أبني مشروعًا يعيش عشر سنوات؟ أصبح السؤال، في بعض الحالات: كيف أحقق أكبر قدر من الزخم قبل أن ينتقل الاهتمام إلى مشروع آخر؟ وهكذا تتحول الخوارزمية، من دون أن ننتبه، إلى شريك غير مرئي في قرارات السوق.

ولا يتعلق الأمر بالمقاهي وحدها. فالمشهد يتكرر في قطاعات عديدة تعتمد على التجربة المباشرة أو الحضور الاجتماعي. وكلما أصبحت قيمة الانتباه أعلى، ازدادت إغراءات الاستثمار في الانتشار السريع على حساب البناء التدريجي للعلامة التجارية.

ولا ينبغي فهم ذلك على أنه خلل في وعي المستهلك أو اندفاع من الشباب. فالناس يتفاعلون مع الحوافز التي تخلقها البيئة الاقتصادية. وإذا أصبحت المنصات الرقمية تمنح الجديد أفضلية مستمرة، فمن الطبيعي أن يبحث المستهلك عن التجربة الجديدة، وأن يسعى المستثمر إلى اللحاق بها. وقد يفسر ذلك جزئيًا ما أشار إليه زيغمونت باومان في حديثه عن ‘الحداثة السائلة’، حيث تتراجع أنماط الارتباط طويلة الأمد لصالح خيارات أكثر سرعة وقابلية للتغير. وإذا كان هذا التحول قد بدأ بوصفه ظاهرة اجتماعية، فإن أثره بات اليوم ظاهرًا أيضًا في بعض الأسواق التي أصبحت تعيش على إيقاع الانتباه المتجدد.

لكن هذه الديناميكية تطرح سؤالًا أكبر من المقاهي والمتاجر: كيف نبني اقتصادًا طويل الأجل في بيئة يكافأ فيها التفكير القصير الأجل؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في الخليج. فالمشروع التنموي في المنطقة يقوم على تنويع الاقتصاد، وبناء قطاعات إنتاجية، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، وهي أهداف لا تتحقق إلا عبر مؤسسات قادرة على الاستمرار وتراكم الخبرة وبناء الثقة. أما إذا أصبح منطق السوق في بعض القطاعات قائمًا على اقتناص موجات الاهتمام السريعة، فإننا نخاطر بأن تتحول السرعة من ميزة إلى غاية بحد ذاتها.

وتظهر آثار ذلك بصورة أوضح في قطاع الخدمات، حيث تصبح دورة المشروع أقصر، ويصعب بناء وظائف مستقرة أو علامات تجارية راسخة. فالاستثمار في الإنسان، كما الاستثمار في المؤسسة، يحتاج إلى زمن، والزمن هو أول ما يضغط عليه اقتصاد الانتباه.

ولا يعني ذلك أن الحل هو مقاومة المنصات أو الوقوف في وجه التغيير. فالاقتصاد الحديث يقوم على الابتكار، وسرعة التكيف، والاستفادة من التحولات الرقمية. لكن هناك فرقًا بين استخدام الانتباه لبناء مشروع مستدام، وبين بناء مشروع لا يعيش إلا ما دام الانتباه حاضرًا. وربما تكون هذه هي المفارقة التي ستواجه الاقتصادات الخليجية خلال السنوات المقبلة.

في نهاية المطاف، ليست المشكلة أن الأسواق أصبحت أسرع، فهذه إحدى سمات الاقتصاد الحديث، وليست المشكلة أيضًا في أن ينجح مشروع ثم يختفي، فالمنافسة لا تعرف الثبات. السؤال الحقيقي هو: أي منطق نريد أن يقود التنمية؟ هل يكون الانتباه العابر هو المعيار، أم القيمة التي تتراكم بمرور الزمن؟ لقد أثبتت دول الخليج قدرتها على بناء مدن تعيش لعقود، ويبقى التحدي أن تمتد هذه الرؤية إلى الاقتصاد اليومي، بحيث يصبح النجاح مرادفًا للاستمرار بقدر ما هو مرادف للانتشار. فالترند يستطيع أن يصنع لحظة، أما الاقتصاد المتين فلا يبنيه الا الزمن.