آخر تحديث: 5 / 7 / 2026م - 8:57 م

من مكتبة جدي إلى ماركيز وإدوارد سعيد

وجدان الياسين *

عندما كبرت وسمعت عن مكتبة جدي، الرجل البارز في القرية آنذاك، تمنيت لو أنني حظيت، ولو لوقتٍ من الزمن، كما فعل إخوتي، بالمشي في أرجائها وتصفح كتبها، كما تمنيت مجالسته لأفهم منه سبب اختياره لبعض الكتب.

وقد سنحت لي الفرصة أن أراجع بعضًا منها باعتبارها إرثًا باقيًا يحكي لنا عنه. وكما توقعت، عندما استفسرت عنها، فإن أكثر من نصف الكتب كانت دينية، باعتباره رجلًا متدينًا، وربعها أدبًا عربيًا، أما الباقي فكان يحمل طابعًا ثقافيًا وإثرائيًا، مثل مجلة القافلة التي تصدرها شركة أرامكو، أو مجلة قبس. وهو بذلك يخلّف لنا تصورات عن اهتماماته ومرحلة مهمة من حياته.

وهذا جعلني أتتبع حياة أربعة كتّاب لمعرفة كيف تكلمت عنهم كتبهم في حضورهم وغيابهم، وكيف كانت امتدادًا لشخصياتهم.

وإذا سألني شخص: لماذا اخترت هؤلاء بالتحديد؟

فسيكون جوابي: لأنهم يقدمون أربع حالات مختلفة: الكتابة كحياة، والمكتبة كذاكرة، والغياب كدلالة، والمكتبة كهوية فكرية.

ولعل من أهم هذه الشخصيات الكاتبة الإنجليزية، التي تُعد من أيقونات الأدب في القرن العشرين، فرجينيا وولف، التي عاشت في بيت ريفي في قرية رودميل، جنوب شرق إنجلترا، وكان مكتبها يحتوي على كتب كثيرة، وبصورة أقل بهرجةً وتكلّفًا.

أما البيت فكان يميل إلى الأثاث البسيط العشوائي، وكان فيه مكتبة تخصها، وتعلو الجدران لوحات لأختها الفنانة التشكيلية فانيسا بيل، وقطع فنية من دائرة بلومزبري.

كان الكوخ الذي في حديقتها المنزلية مناسبًا للكتابة العميقة، فالمكتب كان مليئًا بالأوراق والمخطوطات التي كانت تمثل مركز حياتها. نلحظ أن مقتنياتها الشخصية ساعدت في إنتاجها، وصيّرتها إلى إلهام كتابي يرتبط بالهدوء والتنحي مؤقتًا.

يبدو من ذلك أنها كانت تعيش داخل الكتابة لا حولها؛ إذ كانت حياتها اليومية موجهة نحو الإنتاج الكتابي لا التجميع، وأن الأشياء عندها وظيفية وليست استعراضية. وإذا كانت مقتنياتها وأثاثها بسيطين نسبيًا وغير موحدي الشكل، فغالبها كان للاستخدام اليومي أكثر. كما أن البيئة لديها امتدادٌ لفكرها، بالإضافة إلى تنقلها بين لندن وساسكس، وتغير مقتنياتها تبعًا لذلك، ما يعكس طبيعة حياتها المتقلبة نفسيًا وإبداعيًا.

- ومن إنجلترا إلى كولومبيا، نستكشف مكتبة غابرييل ماركيز، صديقنا الكاتب الكولومبي الذي قضى معظم حياته بين المكسيك وأوروبا.

فتعطينا مكتبته ذلك الشعور بأنها مأهولة بالذكريات، وليس بالكتب فقط. يوجد العديد من التذكارات الشخصية في مكتبة ماركيز، والكثير من كتبه سياسية وتاريخية وتتناول أدب أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى الفلكلور الشعبي والأساطير. وهو، كما عهدناه دومًا، يمتعنا بسحره وخياله في رواياته العالمية، إلا أن هذا السحر بدا خلفه رجلًا جادًا يبحث بين صفحات التاريخ والسياسة أيضًا، ويستخدم الخيال لصالح ترسيخ معنى قائم مسبقًا في ذهنه؛ معنى يجعل الخيال له قيمة، وليس ترف كاتب يريد الهروب من واقعه فقط.

وقد احتفظ بآلاف الكتب، ولأنها تمثله، فكان يتعامل مع الكتب ككائنات حية تدخل في حوار مستمر مع الكاتب.

- وإن كانت مكتبات الآخرين تكشفهم، فإن كافكا يكشف نفسه عبر غياب المكتبة أكثر من حضورها، وهو استثناء المقال كله.

فرانز كافكا، الكاتب الذي وُلد في براغ، كان قد ترك لنا أوراقه.

يعد كافكا قارئًا نهمًا في الأدب الروسي والألماني، واهتم في مراحل من حياته بالثقافة اليهودية واللغة العبرية، كما احتك ببعض الأوساط الصهيونية والفكرية في براغ، دون أن يُعرف عنه انخراط سياسي واضح أو مشروع فكري مماثل لما نجده لدى بعض معاصريه. لكنه لم يترك مكتبة شهيرة موثقة مثل بقية الكتّاب، بالإضافة إلى تنقله المستمر، فقد كان دائم الشك في إنتاجه الأدبي.

وهذا يتضح من طلبه من صديقه ماكس برود حرق عدد ضخم من المخطوطات غير المنشورة.

فبينما نستطيع أن نتجول في مكتبة ماركيز أو فرجينيا وولف، فإننا نتجول الآن، على ما يبدو، في ذهن كافكا أكثر.

وبالتالي كان له مكتب، لكن ليس له توثيق تاريخي معتبر. كان كافكا يكتب وسط التزاماته العائلية وعمله في التأمينات، وكانت العزلة والكتابة شيئًا ينتزعه خلال اليوم.

كل هذا يحكي عن شخصيته، وطبيعة حياته، وطريقة نظرته إلى ما يكتب، التي تتحدث عن شخص شديد الحساسية ويعيش تأملًا داخليًا مستمرًا.

- ولعلنا نختم هذا المقال بكاتب ومفكر عربي، لطالما كان رمزًا نضاليًا لدى الكثير، وهو إدوارد سعيد.

من المعروف أن كتابات إدوارد سعيد تتسم بأنها كاشفة لزيف ما يُسمى بالدراسات ”الموضوعية“ الغربية، وإدراك آثارها السياسية. كما كان مدافعًا شرسًا عن القضية الفلسطينية، وأشهر كتاب خلّفه، وكان له أثر كبير، هو ”الاستشراق“.

لكن كيف كانت مكتبة هذا الرجل الفلسطيني الأصل، والأمريكي الجنسية، الذي عُرف بفطنته ومواقفه؟

تقع قاعة إدوارد سعيد للقراءة في نهاية ممر طويل في الطابق السادس من المكتبة الرئيسية لجامعة كولومبيا، وتقع في القاعة ما تبقى من مكتبته الشخصية. على اليسار توجد رفوف مليئة بكتب الموسيقى، ثم ننتقل إلى كتب الأدب العربي والأدب الأوروبي والأمريكي، ونتجاوز جدارًا كاملًا مخصصًا لتاريخ وسياسات الشرق الأوسط.

إذا ما تصفحت الكتب، ستجد إهداءات من بعض أشهر علماء وكتّاب القرن العشرين، مثل محمود درويش، وأنطون شماس، وكريستوفر هيتشنز، بالإضافة إلى زملاء إدوارد الأكاديميين، بمن فيهم محرر نص رواية ”قلب الظلام“ لكونراد، وعدد من أعضاء هيئة التدريس في جامعة كولومبيا، وطلابه السابقين.

وهذا يعطينا لمحة عن حياته الفكرية واهتماماته، وكيف ظل مرتبطًا بفلسطين رغم إقامته الطويلة في الولايات المتحدة. فقد عاش تجربة الاقتلاع المبكر من وطنه، وشهد تحولات القضية الفلسطينية وهزائمها ونكباتها المتلاحقة، وهو ما انعكس بوضوح على مشروعه الفكري واهتمامه بتاريخ المنطقة وسياساتها.

أشعر أن من رجل الدين، متمثلًا بجدي، مرورًا ببيئته الأحسائية، حتى العالم العربي والأوروبي، جميعهم يعيشون مع مكتباتهم أو كتبهم علاقة خاصة. وجميعهم كانت الكتب تكشف شيئًا خاصًا عنهم، سواء رغبوا بذلك أم لم يرغبوا؛ إذ كان عنصر الكتاب بمثابة تكثيف للهوية الشخصية.

ولعل هذا يتغير اليوم مع انتشار الكتب الإلكترونية وربطها ببيانات بعيدة عن حضور الورق وكلفة وجود مكان لها في المنزل. لكننا سندرك يومًا أن الحضور الحقيقي في هذا العالم كان جزءٌ منه حسي، وأن ثمة شاعرية حقيقية في أن تكون ماديًا حتى في الكتب حين تأخذ حيزًا في رفٍ لنا أو زاوية.