آخر تحديث: 4 / 7 / 2026م - 11:02 م

الأخلاق والوراثة

عبدالحكيم السنان

تحدث علماء الكلام كثيرًا عن وصف الأخلاق، وهل هي تُورث كباقي الصفات الوراثية؟!

إذ إن الأخلاق ليست محصورة في معنى واحد، بل هي شاملة لكمّ هائل من الصفات الجميلة التي يجب أن تتحلى بها الشخصية المؤمنة؛ وبعض علماء الكلام تحدثوا عنها بأنها تنتقل بين الزوجين عبر الحمض النووي «DNA» والجينات المحمولة على الكروموسومات.

وهذا الرأي فيه خلاف كبير؛ فننقل لكم رأي أحد علماء الأخلاق، وهو فرنسي الجنسية، «غوستاف لوبون».

وقد عبّر عن الأخلاق بقوله: «الخلق موروث ومكتسب»، وبيّن أن الأبوين يورثان الصفات الأخلاقية، ومنها الغضب والشجاعة والكرم وغيرها، ويرى أنها تنتقل حتى عن طريق رضاعة الأبناء من الأم.

وأما عن طريق الاكتساب، كما عبّر العالم «غوستاف لوبون»، فإن الطفل في صغره يكتسب الصفات الأخلاقية، ممدوحة كانت أو مذمومة؛ فأوَّلًا يكتسب من تربيته في داخل البيت، إذ إن البيت هو المصدر الأساسي في تغذية الطفل أخلاقيًّا، وفي مراحل الكبر وانتقاله إلى مراحل الدراسة وانخراطه واختلاطه مع أصحابه وزملائه والمجتمع، قد يتخلق أيضًا بأخلاقهم، وهذا عن طريق الاكتساب، وقد عبّر المثل بقوله عن مصادقة الأصحاب:

«قل لي من تصاحب وأقول لك من أنت».

فاختيار الجليس والصاحب حتمًا يؤثر في أفكارك وسلوكك.

إذ إن صقل الأخلاق في الطفل منذ نعومة أظافره يكون له المردود القوي في التربية، كما يضربون المثل: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»، وليس «على الحجر»، والفرق بينهما واضح، وهذه كلها تتعلق بمكتسبات الشارع العام من أصدقاء وأصحاب وزملاء في مراحل الدراسة.

وهذه المراحل العمرية تجعل الطفل يكتسب الأخلاق الإيجابية أو السلبية من خلال احتكاكه بالأصدقاء والزملاء.

وهناك عامل مكتسب أيضًا، وهو في غاية الخطورة، وهو اكتساب الأخلاق عن طريق «المثل الأعلى»؛ فعندما يكون الشخص مثلًا أعلى، فإنه يتقمص تلك الشخصية ويبني عليها جميع الصفات الأخلاقية، سواء كان هذا المثل الأعلى في داخل البيت أو خارج البيت؛ لأن المثل الأعلى يهيمن على الإنسان من خلال تعلق روحه بهذه الشخصية؛ فإما أن يأخذه إلى الصلاح والأخلاق الحميدة والحسنة، وإما عكس ذلك، والعياذ بالله.

إذ إن شخصية المثل الأعلى بإمكانها الاستحواذ على شخصية الإنسان، بحيث يتلقى تلك الصفات الأخلاقية من دون نقاش، باعتبار أنه المثل الأعلى، ولا يصدر منه إلا الشيء الصحيح والكامل والحسن، وسوف تنعكس تصرفات شخصية «المثل الأعلى» على الآخرين، سواء كانت أقوالًا أو أفعالًا، كدستور يمارسه الشخص من خلال أفعال ذلك «المثل الأعلى».

فهنيئًا لمن اتخذ له خليلًا وقدوة ومثلًا أعلى، يغذيه من فيض أخلاق النبي وأهل بيته الطيبين الطاهرين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، التي بُعث الرسول - صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار - من أجلها وإتمام مكارمها، التي ترفع الإنسان إلى أعلى درجات السمو لتنثر عبير عطرها بين الخلائق.

فهذا هو الإرث الحقيقي الذي يخلّفه الآباء والمربّون وعلماء الأخلاق على اختلاف مسؤولياتهم،

حتى يتمكنوا من تشخيص أثر تربيتهم على أبنائهم، ومن يتخذونهم خليلًا ومثلًا أعلى، وهنا تكمن المسؤولية، جعلنا الله وإياكم من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه.