آخر تحديث: 5 / 7 / 2026م - 8:57 م

أنا لا أنسى، أنا فقط أخترع بديلاً أفضل!

أمجد القواعين

كنت أروي لصديقي ”حسين“ قصة سمعتها في بودكاست، واحدة من تلك القصص التي تجعلك تشعر أنك اكتشفت سر الكون وتريد أن تخبر به كل من حولك قبل أن ينتهي اليوم، كأنك أفلاطون خرج لتوّه من الكهف ورأى النور، ومتحمس جداً لإخبار بقية السجناء بالحقيقة. بدأت بثقة المذيع المحترف، الجملة الأولى كانت مضبوطة، الجملة الثانية كانت مقنعة، والجملة الثالثة... توقفت. ذهبت النهاية. اختفت تمامًا وكأن أحدهم ضغط زر «حذف» في منتصف ذاكرتي. نظر إليّ صديقي منتظرًا، ففعلت ما يفعله أي إنسان - محترم - في موقف كهذا: اخترعت نهاية «تبدو منطقية»، أنهيت القصة بثقة من لم تخذله ذاكرته يومًا، أومأ صديقي إيماءة المقتنع، وانتهى الأمر باحترام.

لكن في الليل، وأنا أتقلب في السرير كأني أبحث عن برودة مكان في صحراء، تذكرت النهاية الحقيقية. كانت أجمل مما اخترعت بـ - طعش مرة -. وما تذكرت متى سمعت البودكاست، ولا اسمه، ولا اسم ضيفه، ولا في أي تطبيق كان. أذكر فقط أني كنت في السيارة، وأن الجو كان لطيفًا. يعني ذاكرتي احتفظت بالطقس وحذفت المحتوى، وكأنها تعمل بنظام ترتيب أولويات خاص بها لا أعلم بمنطقه.

بحثت في تطبيقات البودكاست عن أي أثر، فوجدت قائمة استماع تمتد لأشهر، كلها «محفوظة للاستماع لاحقًا»، وكلها لم يُستمع إليها لاحقًا، لأن «لاحقًا» في قاموسي الجديد باتت تعني تقريبًا ما تعنيه عبارة «نتغدى مع بعض قريبًا» بين صديقين لم يلتقيا منذ سنتين. أغلقت التطبيق، وفتحت الريلز لأريح دماغي من إرهاق البحث، وبعد - طعش - دقيقة أغلقت الهاتف دون أن أذكر ولو فيديو واحدًا مما شاهدت.

وهنا بدأت أشك أن المشكلة أكبر مما أعترف به لنفسي. فالعلماء يتحدثون هذه الأيام عن ظاهرة أسموها «التعفن الدماغي»، وهو مصطلح أنيق بما يكفي ليخيفك، ومضحك بما يكفي لتشاركه كريلز فورًا، وهذا الفعل نفسه دليل إدانة كافٍ يُغني عن أي محاكمة. الفكرة باختصار أن إدمان مقاطع الفيديو القصيرة يعيد برمجة الدماغ على التلقي السريع، فيصبح غير قادر على الصبر لأكثر من ثوانٍ، ويبدأ في معاملة كل شيء أطول من دقيقة كأنه وثائقي ممل لا ناقة له فيه ولا جمل، بما في ذلك المحادثات، والأفكار، وأحيانًا نهايات القصص التي يبتكرها الإنسان في منتصف رواياتها لصديق صبور.

والأطرف أن الريلز نفسه علّمني أن هذا خطر. شاهدت عشرات الفيديوهات تحذر من التعفن الدماغي وأثره على التركيز والذاكرة، ويشرح بعضها الأمر بمقارنات علمية رصينة، وآخرها بموسيقى درامية وخطٍّ أحمر تحت الكلمات. شاهدتها كلها بانتباه كامل وإيماءات تأمل عميق، ثم فتحت الريلز التالي. لأن التحذير من الريلز عبر الريلز يشبه تمامًا أن تعلّق لافتة «ممنوع التدخين» وتشعل سيجارة في الوقت ذاته، الرسالة واصلة، لكن اليد أسرع من العقل.

وما يؤلم أن هذا النسيان لم يكن يحدث قبل سنوات معي. كنت أحفظ نصوص المسرحيات كاملة، ومجريات الإجتماعات، كنت أتذكر أسماء الضيوف وتواريخ الحلقات، وكنت قادرًا على اقتباس جملة بعينها دون الرجوع للمصدر. كنت، بكل تواضع، ذاكرةً يُشار إليها بالبنان، - بسم الله عليي وعلى شبابي -. أما الآن فذاكرتي تشبه «ستوري» تختفي بعد أربع وعشرين ساعة، بما في ذلك الأفكار المهمة، والمواعيد، والأشخاص الذين قابلتهم في فعاليات وقلت لهم «تواصلنا» بل وصل الأمر إلى أن كل شخص يصادفني في مكان عام ويسلّم عليّ بحفاوة ويسألني «ما عرفتني؟»، صرت أردّ عليه بثقة الواثق من نفسه: «وهل يخفى القمر؟»، وأدعو في سري أن لا تخذلني هذه الجملة ولا تغيب عن ذاكرتي كما غاب صاحبها، لأن يوم تختفي مني «وهل يخفى القمر» سأكون قد وصلت إلى مرحلة لا يصفها إلا أهل الاختصاص، ولا أريد أن أزيد الطين بلة، أو بلتين كما يقول المثل في أسوأ أحواله.

”تحذير،، ببدأ أسوي نفسي“

ابن خلدون في مقدمته تكلم عن كيف تتراجع الحضارات حين تنشغل بالكماليات عن الجوهر، وإن كان ابن خلدون نفسه موجودًا اليوم، أظنه كان سيكتب فصلًا كاملًا عن الريلز، ثم يضعه في قائمة «للقراءة لاحقًا» وينساه كما ننساها نحن، لأن أحدًا لا يسلم.

”انتهى التحذير“

ربما الحل ليس في الإعلان عن «ديتوكس رقمي» على السوشيال ميديا، فهذا تناقض يحمل في ثناياه ما يكفي من السخرية التي تكتب نفسها. بل في عادة صغيرة: أن أسمع شيئًا يستحق التذكر وأكتبه فورًا، لا في قائمة محفوظات لا أعود إليها، بل في مكان أرجع إليه فعلًا، وأن أتقبل أن بعض الأشياء تستحق أكثر من ثلاثين ثانية من انتباهي، وأن دماغي ليس خوارزمية تحتاج ضبطًا، بل حديقة تحتاج بعض الصمت لتنمو فيها فكرة كاملة حتى نهايتها دون أن يقاطعها إشعار.

وصديقي الذي رويت له القصة المخترعة؟، ما زال مقتنعًا أن نهايتي كانت رائعة. ولن أصحح له ذلك، فبعض الأكاذيب الصغيرة أرحم من الاعتراف بأن ذاكرتك باتت تشبه ذاكرة السمكة، مع الاعتذار للسمكة التي على الأقل لا تدّعي أنها تحفظ المعلقات السبع.