آخر تحديث: 5 / 7 / 2026م - 8:57 م

عُلا يوسف الحاجي… حين يسبق القلمُ العمر

مقدمة: الإبداع لا يعترف بالعمر

هناك لحظاتٌ لا يمرّ بها المشهد الثقافي مرورًا عابرًا، لأنها لا تمثل إنجازًا فرديًا فحسب، بل تحمل دلالةً أعمق على حيوية المجتمع وقدرته على اكتشاف مواهبه ورعايتها. ومن هذه اللحظات أن ترى طفلةً في الحادية عشرة من عمرها تحمل بين يديها روايةً من تأليفها، وتقف بثقة أمام الأدباء والمثقفين لتوقّع عملها الأول، وكأنها تقول للجميع إن الإبداع لا ينتظر اكتمال العمر، وإنما ينتظر اكتمال الشغف.

لقد اعتاد الناس أن يقيسوا المنجزات بعدد السنوات، غير أن التاريخ الثقافي والإنساني يخبرنا أن العبقرية لا تعترف بالتقويم، وأن كثيرًا من البدايات العظيمة خرجت من قلوبٍ صغيرة امتلأت حبًا للعلم، وولعًا بالمعرفة، وإيمانًا بأن للكلمة قدرةً على صناعة عالمٍ أكثر جمالًا.

ميلاد صوت روائي واعد:

من هنا تأتي أهمية تجربة الكاتبة السعودية الناشئة علا يوسف الحاجي، ابنة البطالية بمحافظة الأحساء، التي قدمت للمكتبة السعودية روايتها الأولى «كلهن كنّ جميلات»، لتعلن عن ميلاد صوتٍ أدبي جديد، يحمل من النضج ما يدعو إلى التفاؤل، ومن الطموح ما يبشر بمستقبل ثقافي واعد.

ليست قيمة هذه التجربة في صغر سن كاتبتها فحسب، وإنما في قدرتها على توظيف الأدب ليكون وسيلةً للتعبير عن الإنسان وقضاياه، وإعادة تقديم القيم بلغة السرد والإبداع.

وكما عبرت علا: ”أردتُ من خلال نصي أن أوصل رسالةً مفادها أن الجمال الحقيقي هو ذلك النور الذي يصنعه الإنسان من قوته الداخلية.“

حين يصبح القلم لعبة الطفولة:

اعتاد الناس أن يرتبط عالم الطفولة بالألعاب والرسوم والقصص التي يقرؤها الآخرون للأطفال، لكن علا اختارت أن تكون هي صانعة القصة، لا مستمعةً إليها فقط.

لقد آمنت منذ سنواتها الأولى بأن الكلمات تمتلك قدرةً عجيبة على بناء العوالم، وأن الخيال يمكن أن يتحول إلى شخصياتٍ وأحداثٍ ورسائل تمس القلوب والعقول. وما بدأ كمحاولات بسيطة للتعبير عن المشاعر والأفكار، تحول مع المثابرة والقراءة إلى عملٍ روائي كامل، ليؤكد أن البدايات الصغيرة قد تقود إلى إنجازات كبيرة.

الأدب رسالة قبل أن يكون حكاية:

من يقرأ عنوان الرواية يدرك منذ الوهلة الأولى أن الكاتبة لا تتحدث عن جمال الملامح، بل عن جمال النفوس. فالجمال الذي تؤمن به هو جمال الأخلاق، والشجاعة، والثقة بالنفس، والقدرة على تجاوز الصعوبات.

وهذه الرؤية تمنح العمل بعدًا تربويًا وإنسانيًا، وتؤكد أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يسهم في بناء الوعي، ويغرس القيم، ويعيد تشكيل المفاهيم في نفوس القراء.

عندما تحتضن الأسرة الموهبة:

وراء كل مبدع قصة دعم لا يراها الناس.

فأسرة علا كانت الشريك الأول في رحلتها، تؤمن بقدرتها، وتشجعها، وترافقها منذ الفكرة الأولى حتى خروج الرواية إلى النور. وكان لوالدتها دور بارز في مراجعة النصوص وتشجيعها على مواصلة الكتابة، وهو ما يعكس أهمية الأسرة في اكتشاف المواهب وصقلها.

إن الأسرة التي تمنح أبناءها الثقة، وتفسح لهم المجال للتعبير عن أفكارهم، تضعهم على أول طريق الإبداع.

القراءة… البذرة الأولى لكل كاتب:

لا يولد الكاتب من فراغ، وإنما يولد من كتاب.

فالقراءة هي المدرسة الأولى لكل مبدع، ومنها تتشكل اللغة، ويتسع الخيال، وتتراكم الخبرات، ويكتسب الكاتب أدواته الفنية. وكلما اتسعت دائرة القراءة، ازدادت قدرة الكاتب على الإبداع والتجديد.

ولهذا فإن تجربة علا تمثل رسالة إلى الأطفال واليافعين بأن الكتاب هو البداية الحقيقية لكل مشروع أدبي ناجح.

الطفولة والإبداع… تكامل لا تعارض:

من أجمل ما يميز هذه التجربة أن الكاتبة لم تجعل الكتابة بديلًا عن طفولتها، بل جعلتها جزءًا من حياتها اليومية.

فهي تواصل دراستها، وتعيش طفولتها، وتمارس هواياتها، ثم تمنح الكتابة جزءًا من وقتها، لتؤكد أن النجاح لا يتحقق على حساب التوازن، وإنما من خلال حسن إدارة الوقت، وتنظيم الأولويات.

المؤسسات الثقافية وصناعة المستقبل:

إن احتضان المؤسسات الثقافية للمواهب الناشئة يمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الثقافة الوطنية.

وقد وجدت علا بيئة مشجعة في جمعية أدباء الأحساء، كما شكلت مشاركتها في معرض جدة للكتاب، وإيداع روايتها في مكتبة الملك فهد الوطنية، محطات مهمة عززت حضورها، وأكدت أن المجتمع الثقافي يرحب بالمبدعين مهما كانت أعمارهم.

تكريم يُتوِّج الإبداع الأدبي:

ومن صور الدعم المشجعة للمواهب الطلابية، تكريم مدير الإدارة العامة للتعليم بمحافظة الأحساء، الأستاذ طواشي بن يوسف الكناني، الطالبة عُلا يوسف الحاجي؛ تقديرًا لإنجازها الأدبي المتميز بإصدارها أول عمل أدبي لها بعنوان «كلهنَّ كُنَّ جميلات».

ويأتي هذا التكريم تأكيدًا لحرص الإدارة العامة للتعليم على رعاية الطاقات الإبداعية، وتشجيع الطلبة والطالبات على تنمية مواهبهم في مجالات الثقافة والأدب والكتابة، وترسيخ ثقافة الإنجاز والإبداع منذ المراحل الدراسية المبكرة.

كما يمثل هذا التكريم رسالة تقدير لكل طالب وطالبة يجتهدون في تحويل مواهبهم إلى أعمال ملموسة تثري الساحة الثقافية، وتؤكد أن الإبداع يجد من يحتفي به ويحتضنه، وأن الاستثمار في المواهب الشابة هو استثمار في مستقبل المجتمع وثقافته.

تكريم الموهوبين… استثمار في المستقبل:

إن تكريم الأطفال المبدعين لا يقتصر أثره على إسعادهم، بل يرسل رسالةً إلى المجتمع كله بأن الثقافة تستحق الرعاية، وأن الموهبة تُقدَّر مهما كان عمر صاحبها.

فكل شهادة تقدير، وكل كلمة تشجيع، وكل منصة تُمنح لطفل موهوب، قد تكون سببًا في ولادة مشروعٍ ثقافي كبير يخدم وطنه وأمته في المستقبل.

حين يُكرَّم طفل مبدع، فإن التكريم لا يخصه وحده، بل يشجع آلاف الأطفال الآخرين على الإبداع، ويبعث برسالة إلى الأسر بأن احتضان المواهب مسؤولية عظيمة، وإلى المؤسسات بأن اكتشاف الطاقات الشابة هو استثمار طويل الأمد.

فكل قلم صغير يجد من يؤمن به اليوم، قد يصبح غدًا أحد أعلام الثقافة والفكر.

ولهذا فإن ما حظيت به علا من احتفاء وتقدير من المؤسسات التعليمية والثقافية يمثل نموذجًا راقيًا لرعاية المواهب الوطنية، ويعكس اهتمام المملكة العربية السعودية ببناء الإنسان، وتمكين الطاقات الإبداعية منذ سنواتها الأولى، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تجعل الاستثمار في الإنسان أساسًا للتنمية المستدامة.

الأحساء… أرض العلم والأدب:

وليس غريبًا أن تخرج هذه التجربة من الأحساء، فهي أرض عُرفت بتاريخها العلمي والأدبي، واحتضنت عبر القرون العلماء والشعراء والأدباء، وما زالت تقدم للوطن نماذج مشرقة في مختلف مجالات المعرفة.

وتأتي تجربة علا لتؤكد أن هذه البيئة الثقافية الخصبة ما زالت قادرة على إنجاب مواهب جديدة تحمل مشعل الإبداع إلى الأجيال القادمة.

رسالة إلى كل طفل يحمل حلمًا:

قصة علا يوسف الحاجي ليست قصة رواية فقط، بل هي رسالة إلى كل طفل يؤمن بموهبته، وإلى كل أسرة تؤمن بأبنائها، وإلى كل معلم يرى في طلابه طاقات تستحق الرعاية.

فالنجاحات الكبيرة تبدأ دائمًا بخطوة صغيرة، والكلمة الأولى قد تكون بداية رحلة تصنع تاريخًا كاملًا.

الرسالة الذهبية: المستقبل يُكتب اليوم

إن علا يوسف الحاجي لم تقدم روايةً فحسب، بل قدمت نموذجًا ملهمًا يؤكد أن الإبداع لا يرتبط بالعمر، وأن الأحلام حين تجد بيئةً داعمة، تتحول إلى منجزات حقيقية.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تمنحنا الثقة بأن مستقبل الأدب السعودي يحمل وجوهًا شابة واعدة، وأن الأقلام الصغيرة التي تبدأ اليوم بخطوات متواضعة، قد تصبح غدًا مناراتٍ تضيء سماء الثقافة العربية، وتكتب صفحات جديدة في سجل الإبداع الوطني.

استشاري طب أطفال وحساسية