آخر تحديث: 5 / 7 / 2026م - 8:57 م

كيف يصنع الإمام الحسين (ع) الإنسان الواعي «9»؟

الاقتدار في ساحة المواجهة:

ورد عن الإمام الحسين : «إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْعَاقِلِ لَمَّةٌ قَمَعَ الْحُزْنَ بِالْحَزْمِ، وَقَرَعَ‏ الْعَقْلَ لِلِاحْتِيالِ» [جواهر الحكمة للشيخ علي الليثي الواسطي ص 427].

من صور الحزم في مواجهة الأزمات ومحطات الأحزان والآلام إعادة ترتيب أوراق حياته وعلاقاته وطموحاته وتطلّعاته، إذ إنه قد يكون السبب فيما يواجهه من شدة أو إخفاق لا يتعلّق بكسله وإهماله العمل الجاد، وإنما سببه ذلك الاهتمام الذي كان يبديه بأمور هامشية وفرعية استنزفت وقته وجهده، مع أن العائد والفائدة المرجو منها كان ضئيلًا قياسًا للجهود الكبيرة التي بذلها، مع عدم استحقاق ذلك الأمر الثانوي لكل ذلك العناء والتعب، ويتفرّع على ترتيب الأوقات ترتيب الأولويات وتصنيفها بحسب الأهمية والتأثير، فكم من إنسان كان يطارد أمورًا ثانوية، ولا يعود عليه من تحصيلها ما يسانده بشكل كبير في مسيرة حياته، حتى جاءت تلك المحنة فأعادته إلى القيم الكبرى وترتيب سلّم الأولويات وتجزئة المراحل الزمنية في حياته مع البدء بالأهم فالمهم، فها هو اليوم قد عرف معنى الأسرة وما توفّره من ظلال دافئة ومشاعر الانتماء إليها، مما يعزز قبول الفرد لنفسه وصحته النفسية، كما أن بعض العادات الصحية الخاطئة أو السلبية، التي تورثه الضعف في بدنه والأسقام، ما كان ليتركها لولا ما أصابه من انتكاسة صحية استفاد منها كثيرًا، وكذلك ترتيب أولوياته واهتماماته على المستوى الاجتماعي وعلاقاته بمن حوله، إذ إن الدائرة المقرّبة منه، والتي تحظى بثقته وارتياحه النفسي والفكري، قد يدخلها من لا يستحق في فترة من الفترات، وقد يغيب عنها من أظهرت المواقف والأحداث شهامته ومساندته واستحقاقه الانضمام إلى تلك الدائرة، كما أن خدمة الناس وتقديم العون للآخرين تدخل كذلك في قائمة الأولويات بحكم أن وقته وجهده وعطاءه محدود، ولا يمكنه تقديم ذلك للجميع، فيرتّب أولوياته بحسب قدراته وحاجة الآخرين، وكذلك تكوين زاده المعرفي يدخل في نطاق ترتيب الأولويات وعدم الوقوع في ضياع الأوقات بالتنقل غير المدروس بين المقروءات والمطالعات، وها نحن اليوم نشهد تصعيدًا خطيرًا من الشباب والفتيات في تضييع أوقاتهم في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي دون خطة مدروسة تحفظ أوقاتهم وعقولهم عما لا فائدة فيه.

المحنة قد تكون مرآة يرى فيها الإنسان نفسه بوضوح لأول مرة، فيكتشف مواطن ضعفه ليعالجها، ويكتشف أيضًا طاقات كامنة لم يكن يظن أنه يمتلكها، ولذلك نجد كثيرًا من الناجحين يعترفون بأن أعظم التحولات في حياتهم لم تبدأ في أوقات الرخاء، وإنما وُلِدت من قلب المعاناة ورحم الألم والشدائد؛ لأن الشدائد أجبرتهم على التفكير والنهوض والعمل والتغيير، فالتربية الواعية لا تَعِدُ الإنسان بحياة خالية من المصاعب، وإنما تَعِدُه بشخصية قادرة على التعامل مع المصاعب دون أن تفقد توازنها أو قيمها، ولهذا ينبغي أن نغرس في الأبناء منذ الصغر مهارات الصبر وضبط الانفعال والتفكير المنطقي وحل المشكلات وعدم الاستسلام للفشل، حتى ينشؤوا قادرين على مواجهة الحياة وتلوناتها وصفعاتها بثقة واقتدار.