أسوأ من كراهيتك لنفسك!
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: 10]
إن المورد لا يخصص الوارد؛ فهذه الآية وإن وردت في سياق خطاب الكافر لكفره إلا أنها أعم منه وأشمل؛ لأنها تخبرنا بحقيقة من حقائق عالم الغيب: أن أسوأ شيء في الوجود أن تكره النفس ذاتها، ولكن الأسوأ منه أن يمقتها الله ويعرض عنها؛ لقبح ما فيها!
﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ .
يظهر لنا أن المقت في هذه الآية الجليلة أعظم من الغضب ويتجاوز كراهية النفس لذاتها، ويجعله حكما وجوديا يقع على الذات بعد أن تنكشف حقيقتها، في لحظة الظهور الأعظم لجوهر كل نفس، وحقيقة كل ذات، بعد تجربتها الدنيوية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9]، ذلك يوم مروع يتعمق من ساعة الموت الأولى، يسميه العرفاء: سقوط ستر الوهم.. وهو وهم الفضيلة، ووهم الكمال، ووهم الجمال. القاعدة القرآنية: إن مقت الله أعظم من مقت الإنسان لنفسه حين يكتشف حقيقتها السيئة يوم القيامة.
قاعدة تزيح الستائر عن يوم مؤجل لكل نفس، ستلتقي فيه بحقيقتها كما يراها الله، لا كما ترى نفسها في الدنيا، وسنعبر جميعا في سفر أرواحنا إليه هذه المراحل:
أول ما يظهر لنا انهدام أوهام النفس عن فضائلها وكمالها، يقول السهروردي: «النفس ظلمة، والظلمة تخفي قبحها عن صاحبها.» انهدام ستر الوهم: أن يرى الإنسان نفسه كما هي في علم الله، لا كما كان يتوهمها في الدنيا: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22] وللمرة الأولى ترى كيف يراك الله - ترى حقيقة جوهرك -
فيرى الإنسان حقيقته بصدق مطلق:
• قبح نياته
• سوء سريرته
• ظلمه لنفسه
• وغفلته عن ربه
فيقع في صدمة الكشف والانكشاف، أو الفزع من قبح الذات، وهي أول مراتب مقت الذات لذاتها، وكراهية النفس لنفسها..
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]
الإنسان اعتاد أن يقيم نفسه تقييمًا يتصف بتزييف حقيقتها:
• يرى نفسه محقًا دائمًا
• يرى نفسه محسنًا كما يجب..
• يرى نفسه أقرب إلى الجمال والكمال مما هي عليه في الحقيقة
وهذا التقييم مبني على هوى وغرور وحب أعمى للذات، ووهم الفضيلة، والاستحقاق الزائف. أما يوم القيامة، فإن النفس تنتقل من تقييم نفسها لنفسها إلى تقييم الله لها أو معرفة كيف يراها الله!.. وهنا يقع الفرق الجوهري:
• ما كانت تراه النفس فضيلة، يكشفه الله على أنه رذيلة.
• ما كانت تعده قربًا منه وإليه، يتبين على أنه بُعد.
• ما كانت تحسبه نورًا في قلبها، يتجلى لها على أنه ظلمة.
هنا يتجلى معنى: «لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم».
فمقت الله للعبد أن يكشف له قبح نفسه، ثم يغلق عنه الرحمة له، أو الستر عليه، وباب الرجاء فيه، وباب العودة إليه، فيقع الإنسان في الموت الأعظم وهي أشد من العدم المطلق «لا يموت فيها ولا يحيا».. يتعذب بالحياة في الموت.. وهذه منزلة القلب الذي انغلق في وجهه باب الرجاء في ربه.. وباب الرحمة له.. وتم عليه الإعراض عنه.
في هذه المرتبة يجتمع على الإنسان نوعان من المقت:
1. مقت النفس لنفسها:
«من أعرض الله عنه، رأى قبحه وظلمه وغروره، فمقت نفسه.»
فيرى الإنسان قبحه بلا ستر، فيمقت ذاته مقتًا شديدًا، ويرى أن نفسه قرينة للشيطان؛ لأن النفس الخبيثة وجه من وجوه الشيطان.
2. مقت الله للعبد:
وهو مقت أعظم وأشد؛ لأنه:
• صادر عن حق مطلق
• مبني على علم محيط لا خطأ فيه..
• يتجلى في الإعراض عنه، وحرمانه من نوره ورأفته وحنانه ورحمته
﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلَّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72] وهنا تتحقق القاعدة الكلية: إن مقت الله أعظم من مقت الإنسان لنفسه.
لأن مقت الإنسان لنفسه، وإن كان شديدًا، فهو مقت ناقص محدود في زمانه، مبني على ألم نفسي. أما مقت الله، فهو حكم وجودي دائم يقع على الذات، ويغير مصيرها بما لا سبيل للنجاة منه، وهذا ما يسمى «لعنة إبليس»؛ لأن المقت هو الطرد من رحمة الله..
وبهذا يتحول المقت من شدة البغض والكره من حالة نفسية - يكره فيها الإنسان نفسه - إلى حقيقة كونية يتعلق بها مصير النفس، وتحدد العلاقة بين العبد وربه:
• يمقت الإنسان نفسه لقبحها.
• ويمقته الله لبعده وإعراضه عنه..
ولذا من الحقائق الوجودية لعالم الغيب والشهادة؛ أسوأ من كراهيتك لنفسك أن يكرهك الله، وأعظم من مقتك لذاتك أن يمقتك الله ويعرض بوجهه الكريم عنك، وهو الشقاء السرمد الذي لا يزول ولا يرتفع ولا ينقطع..













