آخر تحديث: 6 / 7 / 2026م - 8:33 م

حصون الهداية ومعالم الرشد

ناجي وهب الفرج *

ما أكثر الطُّرق التي تتزاحم أمام الإنسان، وما أكثر الأصوات التي تدعوه إلى اتباع هذا الاتجاه أو ذاك، حتى يجد نفسه واقفًا عند مفترقٍ واسع، يتساءل: أيُّ طريقٍ أحقُّ أن يُسلك؟ وأيُّ سبيلٍ أجدر بأن يُفضي إلى الطمأنينة واليقين؟

إن أعظم ما يملكه الإنسان في رحلته عبر الحياة ليس المال ولا الجاه ولا القوة، وإنما بصيرةٌ تهديه إذا التبست المسالك، وعقلٌ يزن الأمور بميزان الحكمة، وقلبٌ يتشبث بالحق مهما اشتدت العواصف. فالحياة ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل ميدانٌ تتجاذبه الأفكار، وتتنازعه الأهواء، وتتقاطع فيه الرؤى والمواقف. ومن هنا كانت الحاجة ماسّة إلى حصونٍ تحمي الفكر، وإلى معالم ترشد الخطى، وإلى نورٍ يكشف ما يختبئ خلف الضباب.

وليس ثمة حصنٌ أشد منعة من حصن العلم المبني على الدليل، ولا سورٌ أصلب من اليقين القائم على البرهان. فالعلم الحق لا يمنح صاحبه المعرفة فحسب، بل يمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة والسراب، وبين ما يبقى وما يزول. ولذلك رفع الله تعالى شأن أهله، فقال سبحانه:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ . [المجادلة: 11]

وحين يمتزج العلم بالإيمان، يتحول إلى قوةٍ دافعة تبني الإنسان من داخله، وتمنحه الثبات حين تضطرب الموازين من حوله.

ولعل من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أن يظنوا أن كثرة الجدل دليل قوة، وأن الانتصار في الخصومات علامة تفوق. غير أن التجارب تثبت أن الجدل العقيم يستهلك الطاقات ويبعثر الجهود، بينما يبني العقلاء مواقفهم على الحكمة والإنصاف والبحث عن الحقيقة. ولهذا وجّه القرآن الكريم إلى أرقى أساليب الدعوة والحوار، فقال تعالى:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ . [النحل: 125]

فالحكمة لا تنتصر بالصوت الأعلى، وإنما تنتصر بقوة الفكرة وصدق المقصد ونبل الغاية.

وفي مسيرة الحياة لا بد أن تعترض الإنسان عقباتٌ تُثقل خطاه، وأيامٌ يخيّل إليه فيها أن الطريق قد طال. لكن أصحاب العزائم يدركون أن الثمار الكبرى لا تنبت في لحظة، وأن الإنجازات العظيمة لا تولد من الراحة والدعة، وإنما تخرج من رحم الصبر والمثابرة. وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذا المعنى الخالد بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا . [آل عمران: 200]

فالصبر ليس احتمال المشقة فحسب، بل هو فنُّ مواصلة السير حين يتوقف الآخرون، والقدرة على التمسك بالأمل حين تتكاثر أسباب اليأس.

ومع كل خطوة يخطوها الإنسان في طريق المعرفة والعمل، تتكشف له آفاق جديدة، وتنقشع أمامه غيوم الحيرة، حتى يرى الحقائق أكثر وضوحًا وإشراقًا. وعندها يدرك أن النجاح ليس وصولًا إلى محطة أخيرة، بل رحلة مستمرة من التعلم والنمو والارتقاء.

غير أن أعظم ما يضيء هذه الرحلة كلها هو الاقتداء برسول الله ﷺ، الذي جمع الله فيه مكارم الأخلاق، وجعله منارةً تهدي القلوب والعقول. وقد قال سبحانه:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . [الأحزاب: 21]

فكلما اقترب الإنسان من هديه ازداد بصيرةً وحكمة، وكلما استضاء بنوره اتضحت له معالم الطريق.

وقد أوصى النبي ﷺ أمته بما يحفظها من الضلال والفرقة، فقال:

«تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتابَ الله وعترتي أهل بيتي».

ففي هذا التوجيه النبوي تتجلى معاني الثبات والاعتصام بمصادر الهداية الأصيلة، التي تحفظ للأمة وحدتها، وللفرد توازنه، وللمجتمع استقامته.

ولم يكن أهل البيت إلا امتدادًا لهذا النور النبوي المبارك، يدعون إلى العلم والعمل والخلق الكريم. فقد قال الإمام علي بن أبي طالب :

«قيمة كل امرئ ما يحسنه».

وهي كلمة تختصر فلسفة البناء والارتقاء؛ فمكانة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملك، بل بما يقدّم، ولا بما يقول، بل بما يحسن صنعه ويجيد أداءه.

وقال الإمام جعفر الصادق :

«كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم».

وكأنها دعوة خالدة إلى أن تتحول المبادئ إلى سلوك، والقيم إلى مواقف، والعلم إلى أثرٍ يراه الناس في الواقع.

إن الأمم التي تبني أبناءها على العلم، وتغرس فيهم روح العمل، وتربطهم بالقيم الرفيعة، هي الأمم القادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. أما الأفراد الذين يتسلحون بالبصيرة والعزيمة واليقين، فإنهم يصبحون أكثر قدرة على تجاوز العوائق وتحويل الصعوبات إلى فرص للنجاح.

وهكذا تبقى الهداية حصنًا يحمي القلوب من التيه، ويبقى الرشد معلمًا يهدي العقول إلى سواء السبيل، ويبقى نور النبي ﷺ وأهل بيته الطاهرين مشكاةً متجددة تضيء دروب السائرين، وتمنحهم القوة لمواصلة الطريق بثقةٍ وأملٍ ويقين.

المصادر:

• القرآن الكريم.

• صحيح مسلم.

• سنن الترمذي.

• نهج البلاغة.

• الكافي.
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية