عقيل… كما كان
لا أعرف إن كان الإنسان يرحل مرة واحدة.
غريب قولي هذا اليس كذلك؟
كلما قرأت ما كُتب عن السيد النجيب السيد عقيل الخضراوي ابو السيد محمد رحمه الله ازددت يقينًا أن بعض الناس تبدأ رحلتهم الثانية بعد الوفاة. لا لأنهم أصبحوا حديث الناس كون كل إنسان يخرج بما عرفه منهم وعنهم فتبدأ الصورة التي كانت موزعة في الصدور بالاجتماع لأول مرة.
استوقفتني التعازي أكثر مما استوقفتني عبارات الرثاء.
لم تكن الكلمات متشابهة ولم تكن الذكريات واحدة ومع ذلك كانت جميعها تؤدي إلى الإنسان نفسه. هذا يستعيده من أيام التعليم وذاك من خدمة المسجد وآخر من ملازمة العلماء وغيرهم من عيادة مريض أو مواساة مفجوع أو رفقة عمر امتدت سنوات حتى خُيّل إليّ أن الناس لم يكونوا ينعون رجلًا واحدًا وإنما كانوا يجمعون سيرة بقيت موزعة بينهم عشرات السنين ولم تكتمل إلا بعد رحيله.
وقبل نحو عامين.. خرج من مستشفى البابطين بعد عملية في القلب. استبشر محبوه يومها بسلامته ثم عاد إلى حياته كما عرفوه فلم تغيّره المحنة ولم تغيّر شيئًا من طريقته في الناس.
عاد إلى مجالسه وإلى التعليم وإلى كل من اعتاد أن يجده قريبًا منه. واليوم.. كلما عادت تلك الأيام إلى الذاكرة أحسّ كثيرون أن العمر لم يكن يزداد وإنما كان يكتمل.
فالإنسان يستطيع أن ينتقي كلماته وأن يجامل في موقف وأن يحسن حضوره في مجلس غير أن ذلك كله يقف عند حدود المواقف.. أما ما يعجز عنه.. فهو أن يحمل الخلق نفسه في كل تفاصيل يومه وأن يبقى الإنسان ذاته مهما تبدلت الوجوه والأماكن. تلك منزلة لا تُكتسب بالمحاولة، إذ تنشأ عندما يصبح الخلق جزءًا من التكوين فلا يختلف صاحبه بين أهله أو في مجلس علم أو عند سرير مريض أو في عزاء مفجوع أو في لقاء مع احد الأحبة على قارعة الطريق.
ولهذا جاءت الشهادات متفرقة في حكاياتها ومتحدة في حقيقتها. لم يتفق أصحابها لأن أحدًا رسم لهم ما يقولون لأنهم جميعًا عرفوا الرجل نفسه كلٌّ من نافذته الخاصة. فالناس قد تختلف في وصف موقف أما أن تتقارب قلوبهم على إنسان فتلك شهادة لا يكتبها قلم ولكن يكتبها عمر كامل عاشه صاحبه على نسق واحد.
رحم الله السيد عقيل الخضراوي أبو السيد محمد.
لم يترك وراءه قصة واحدة تُروى لكنه ترك في كل قلب قصة مختلفة حتى إذا اجتمعت القلوب ظهر منها رجل اتسعت حياته للناس أكثر مما أدركوا ولم يعرف تمام سعتها إلا الله.














