آخر تحديث: 6 / 7 / 2026م - 8:33 م

المُحاضر والخطابة والجمهور

المهندس أمير الصالح *

ترى أناسًا كُثرًا يترددون في ارتقاء أي منصة للتحدث مع الجمهور خشية الإحراج أو التلعثم أو سوء الأداء أو تبخر الأفكار أو ضحكات ولمز بعض الحضور عليهم. إلا أنك ترى أن أولئك الأشخاص أنفسهم الذين يخشون ارتقاء المنصات والمنابر لا يترددون في أن ينتقدوا بشكل لاذع وقاسٍ أفضلَ خطيب وأمهر متحدث على كل هفوة أو استرسال أو إطالة أو تعبير أو لفظة أو حركة أو نغمة صوت؛ فالانتقاد السلبي والإسقاطي من البعض للمتحدث وللخطيب ديدن، وتراهم تارةً ينتقدون دون تورع عبارات المحاضر أو المتحدث أو الخطيب، وتارةً لباسه، وتارةً تسريحة شعره، وتارةً تواصله البصري، وتارةً طريقة وقوفه، وتارةً وجود ورقة في يده مدونة فيها أفكار محاضرته، وتارةً لون ملابسه، وتارةً عَرْض حاجبيه! والحقيقة أن هذه الأصناف البشرية تخطاها الزمن، وهم ما زالوا ينتقدون كل شيء إلا أنفسهم؛ ويهتمون بإدراج تعليقات جانبية تاركين الموضوع الأصلي والأفكار الكبيرة! شخصيًّا خضت تجارب في الإلقاء في احتفالات شركات عدة، وإلقاء محاضرات ببعض المساجد ودور العبادة، ومشاركة في احتفالات عدة، حتى أحلت كل ذلك إلى الكتابة بدل الإلقاء؛ كما أني كذلك حضرت عشرات الآلاف من المجالس والاحتفالات على مدى 50 عامًا، ولا أزال أسمع من ينتقد بعض المتحدثين ليس في الأفكار، ولكن بهدف التهشيم والإسقاط والتقليل منهم. بوصفنا مجتمعًا هادفًا، يجب تشجيع الأولاد والشباب على التحدث بكل أريحية في كل اجتماع عائلي أو اجتماع ديني أو اجتماعي. لقد أصبح بعض الأطفال والشباب خجولين إلى حد لا يطاق، أو معتزلين البوح والتعبير عن أنفسهم إلى حد لا يمكن تصوره، والسبب الرئيس هو الانتقاد السلبي المفرط من قبل بعض المحيطين بهم. تبًّا لمثل هذه الأساليب القمعية التربوية التي يجب أن تتغير.

حوار

كنت أتمنى أن يُدرج نشاط الخطابة مع الجمهور في المناهج المدرسية حول العالم، إلا أنه حتى الساعة لم أجد ذلك. ولكوني قد تعلمت عدة استراتيجيات في الإلقاء، واخترت ذكر بعضها هنا للفائدة ونشر المنفعة وتشجيع من يود خوض التجربة.

هناك تقريبًا 10 استراتيجيات للتحدث أمام الجمهور لا تُدرَّس في المدارس ولا في الديوانيات الاجتماعية، وأطلب من الإخوة الذين يخشون على أنفسهم من مخاطبة الجمهور تعلمها وإتقانها، حتى لو تعثروا في البداية، ولكن ليجربوها:

1. قاعدة 5 - 5 - 5

انظر إلى خمسة أشخاص من الجمهور.

حافظ على التواصل البصري مع كل شخص لمدة خمس ثوانٍ، وكرر ذلك كل خمس دقائق. يساعد هذا في بناء علاقة حقيقية مع الجمهور.

2. وقفة فاصلة بين الفكرة والفكرة

التزام المتحدث بالصمت لمدة ثلاث ثوانٍ بعد كل فكرة مهمة أمر طيب؛ لأنه أمر مؤثر في إيداع الفكرة لدى السامع.

3. الافتتاحية المميزة

بدء الخطاب بثلاث خطوات:

طرحُ سؤالٍ يجذب الانتباه، ثم مشاركةُ قصةٍ قصيرةٍ جدًّا مرتبطة بالفكرة والسؤال، «يُفضل أن تكون القصة مدتها أقل من دقيقتين»، ثم توضيح الفائدة التي سيحصل عليها الجمهور من هذا الأمر. وشخصيًّا أشجع أي خطيب ومتحدث على تفادي تصفح جوال أو ورقة أثناء الحديث للجمهور؛ لأن ذلك قد يعني أن المتحدث غير متمكن وغير متمرس.

4 - لغة الجسد: يجب تجنب توجيه الأصابع نحو الآخرين أثناء الإلقاء، فقد يُفسَّر ذلك على أنه أمر عدواني أو استفزازي، أو أن الشخص هو المعني بقولك، سواء أكان إطراءً أم ذمًّا.

5. ملاحظة عدم الاسترسال في جزئية معينة بشكل مفرط، فقد يسبب الشرود للمستمعين. التركيز والاختصار أمران أصبحا مهمين في الخطابة الناجحة.

6 - ترتيب الأفكار الرئيسية في ثلاث نقاط يجعل الموضوع أكثر جدوى للاستماع إليه.

7 - اعتماد اتصال بصري ناجح، وهو أسلوب المنارة أو وضع الشواهد.

وفكرته قائمة على اختيار عدة نقاط مرجعية داخل القاعة، يمكن للمتحدث تحريك بصره بينها في القاعة أثناء الحديث، مما يجعل تواصل المتحدث البصري مع الحضور يبدو طبيعيًّا ومنظمًا.

8 - وقفة إبراز الثقة بالنفس «القوة»

الوقوف مع مباعدة القدمين إذا كان التحدث خلف منصة. دع الذراعين مسترخيين على الجانبين إذا كان المتحدث على المنبر. تمنح هذه الوقفة مظهرًا أكثر ثقة، حتى لو كان المتحدث يشعر ببعض التوتر.

9 - أسلوب الربط والاستحضار

الرجوع إلى فكرة أو قصة ذكرها المتحدث في بداية حديثه أو خطابه يربط أجزاء العرض التقديمي مع الخاتمة، ويمنح الجمهور شعورًا بالترابط والتواصل في الحديث.

10 - إتقان الممارسة

لا يعتمد المتحدثون المهرة والخطباء المميزون على الحفظ عن ظهر قلب، وإنما إجادة فن الإلقاء تتطلب مهارة صب الأفكار بقوالب لفظية وملكات خطابية مميزة. التدريب المستمر حتى تصبح الأفكار مألوفة وطبيعية أمر يسهل المهمة. فكلما زاد التدريب والممارسة، قلّ التوتر وازدادت الثقة بالنفس أثناء الإلقاء.

في الختام

لي طلب عام، يجب إعطاء فرص أكبر للشباب للمشاركة في الإلقاء للإعلانات العامة والمحاضرات والاحتفالات. كما أني أطلب من الجميع أنه كلما سمعتم أو رأيتم شخصًا يخاطب جمهورًا بأفكار جيدة ونافعة، وإن قلت مهاراته في الخطابة، فشجعوه وأعطوه الفرصة ولا تحبطوه؛ فمع الوقت سيتقن فنون الإلقاء بإذن الله. فقد يكون المتحدث يومًا ما: أخاكم أو ابنكم أو صديقكم؛ فإن انعزال أو انطواء من يتحدثون بالحق والحقيقة يعني خسارة المجتمع لمشروع محاضرٍ مميز، أو خطيبٍ مفوَّهٍ، أو متحدثٍ لبقٍ.