آخر تحديث: 6 / 7 / 2026م - 8:33 م

التعليم وإبداع الحضارة

مراد غريبي *

مفتتح

لم يكن التعليم يومًا مجرد مؤسسة تُوزَّع فيها الشهادات أو تُلقَّن فيها المعارف إلا لدى الشعوب المستغرقة في الماضي والذاكرة والتاريخ، بل هو الروح الخفية التي تُشغِّل الحضارة من الداخل، فعندما يكون التعليم قادرًا على إنتاج المعنى، وصياغة الكفاءة، وفتح أفق الابتكار، يصبح القوة التي تُعيد تشكيل الإنسان والمجتمع والدولة في آن واحد، أما حين يُختزل في الحفظ والتكرار والوظيفة، فإنه يفقد قدراته التنويرية والتغييرية الإصلاحية، ويصبح جزءًا من الأزمة بدل أن يكون أداةً لحلها وتجاوزها. هنا محل إعراب أهمية المقارنة بين التجارب التعليمية الملهمة في العالم المعاصر؛ إذ إنها لا تقدم وصفات جاهزة، بل تزيل الستار عن شروط النهضة: وضوح الرؤية، مركزية المعلم، استقلال المؤسسة، وربط التعليم بالمشروع الحضاري الشامل. ضمن هذا الأفق، تبرز إسبانيا، والغرب ككل، والصين، ثم فنلندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وماليزيا، وإيران، وتركيا بوصفها تجارب مختلفة في الشكل، متقاربة في الجوهر، لأنها نجحت أو حاولت أن تجعل التعليم ركيزةً من ركائز النهوض التنموي الوطني.

التعليم وفلسفة الحضارة

من المتعارف لدى خبراء التربية والتعليم أن للتعليم ثلاث وظائف لا غنى عنها: تنشئة الإنسان، بناء المجتمع، ابتكار المستقبل، أي إنَّ التعليم هو من يصوغ الذهن، ويهذب السلوك، ويُنشئ العلاقة بين الفرد والعالم على قاعدة من الفهم والمسؤولية، وإذا صارت هذه الوظائف متكاملة، يصبح التعليم أكثر من سياسة عامة؛ بل يصبح فلسفة حضارية تتجسد في المدرسة والجامعة والمختبر، وفي طريقة النظر إلى الزمن والعمل والمعرفة والتاريخ والمستقبل والحياة ككل.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مدرسة نملك؟ بل: أي إنسان نريد أن ننشئ؟ وأي حضارة نروم؟ هذا السؤال هو ما يفسر اختلاف النماذج، ويجعل المقارنة بينها ضرورية لفهم موقعنا نحن، في العالم العربي والإسلامي، من حركة التاريخ الراهنة.

نماذج التعليم الملهمة

1. إسبانيا نموذج الإصلاح عبر التحول السياسي

إسبانيا الحديثة تمثل نموذجًا لافتًا لكيفية إعادة بناء منظومة تعليمية بأكملها كجزء من مشروع أوسع لإعادة تعريف الهوية الوطنية والانتقال من نظام سلطوي إلى دولة ديمقراطية حديثة، فقد ظل النظام التعليمي الإسباني، حتى نهاية حقبة الجنرال فرانكو، محكومًا بقانون التعليم العام لعام 1970، وهو إطار يعكس منطق الدولة المركزية المحافظة أكثر مما يعكس حاجات مجتمع منفتح ومتعدد، ومع التحول السياسي الكبير الذي عرفته إسبانيا مع دستور 1978، وانتقالها إلى نظام ملكي برلماني ديمقراطي، جعل البلاد تنفتح على موجة متلاحقة من الإصلاحات التعليمية، بدأت بقانون الحق في التعليم لعام 1985، ثم القانون العام لتنظيم النظام التعليمي لعام 1990 الذي مدّد التعليم الإلزامي حتى سن السادسة عشرة، وصولًا إلى الإصلاحات الأحدث التي واكبت الاندماج الأوروبي، وقد انتقلت الصلاحيات التعليمية تدريجيًا من الإدارة المركزية إلى الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي، في مسار اكتمل بحلول سنة 2000، بما يعكس رؤية تربط بين الديمقراطية السياسية ومفهوم الديمقراطية التربوية.

لهذا الدرس الإسباني بالغ الدلالة، هذا ما اكتشفته عند مشاركتي في دورة تعليمية للغة الإسبانية واكتشاف الثقافة الإسبانية والريادة في عالم الترجمة من كل اللغات الإنسانية للغة الإسبانية ضمن نشاط ترجمة مؤسساتي ضخم ورائد وواعد، حينها اكتشفت من خلال هذا النموذج أن التعليم لا يتحدث فقط عن ”كيف نُعلّم؟“، بل يعيد صياغة السؤال الأعمق: ”أي نوع من المواطن والدولة نريد أن نبني؟“.

2. جامعات الغرب وصناعة الحضارة

بلا شك إسبانيا تمثل نموذجًا لإعادة الهيكلة الديمقراطية للتعليم، بينما التجربة الغربية الأوسع تمثل تحولًا فلسفيًا أعمق في تعريف وظيفة المعرفة ذاتها، فمنذ الثورة العلمية وفلسفة الأنوار، لم تعد الجامعة الغربية مؤسسة لسرد التراث ونقله، بل أصبحت - مع النموذج الذي صاغه فيلهلم فون هومبولت في الجامعة الألمانية الحديثة - مؤسسة تجمع بين التدريس والبحث في وحدة عضوية واحدة، حيث أصبح إنتاج المعرفة الجديدة جزءًا من صلب الوظيفة التعليمية، لا ترفًا يُضاف إليها. هذا التحول الجوهري هو ما صنع الجامعة الحديثة بوصفها مؤسسة للبحث والإبداع، لا لحفظ الموروث فقط، حيث من رحمه خرجت الثورة الصناعية، ثم الثورة التكنولوجية، ثم اقتصاد المعرفة الذي يحكم العالم اليوم، هكذا نجح الغرب إذ إنَّه جعل من الشك المنهجي والتجريب فضيلة تربوية، لا خطرًا يجب احتواؤه، وهذا بالضبط ما فرّق بين مسار تراكم معرفي مستمر ومسار آخر توقف عند لحظة معينة من تاريخه.

3. فنلندا: الثقة شرط التعليم الناجح

تعتبر فنلندا أحد أكثر النماذج احترامًا في الأدبيات التربوية المعاصرة، ليس لأنها الأكثر صرامة، بل لأنها الأكثر ثقة، حيث يمنح النظام الفنلندي المعلم مكانةً مهنية عالية، ويخفف من منطق وضغوط الامتحانات المتكررة، عبر التركيز على جودة التعلم لا على عدد الاختبارات، كما تشير التقييمات الدولية إلى أن هذا النموذج يقوم على صيغة التعليم العادل، وتقليص الفوارق، وتكريس مبدأ أن المدرسة ليست حلبة تنافس، بل فضاءً لرعاية الإنسان وتنمية قدراته الإبداعية.

لعل خصوصية الدرس الفنلندي، أنه يؤكد على فكرة ”التميز التعليمي لا يستلزم بالضرورة قسوة تنافسية؛ بل يمكن أن ينبثق من بيئة إنسانية متوازنة تحترم إيقاع المتعلم وتضمن للمعلم كرامته المهنية“.

4. اليابان: الانضباط أساس التعليم

كوكب اليابان، يقدم نموذجًا آخر يقوم على التوازن بين الانضباط الجماعي والحداثة التربوية، حيث استثمرت اليابان في التعليم منذ وقت مبكر بوصفه جزءًا من مشروع بناء الدولة الحديثة، كما حافظت على هذه المركزية في مختلف المراحل الاقتصادية والاجتماعية، كما تبرز في التجربة اليابانية قوة العلاقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، بحيث لا يُترك التعليم للمؤسسة وحدها، بل ينظر إليه بوصفه مسؤولية وطنية مشتركة. كما تتميز اليابان بأنها لم تجعل التعليم أداةً لقطع الصلة بالماضي، بل وسيلةً لإعادة ترتيبه على نحو يسمح بالحداثة دون انفصال عن الهوية، مما مكن المدرسة اليابانية لأن تكون مكانًا يُعلَّم فيه الانضباط، والاحترام، والجدية، والعمل الجماعي، وهي قيم شكلت بدورها إحدى قواعد التفوق الياباني في الاقتصاد والصناعة والبحث.

5. كوريا الجنوبية: التعليم روح العمران

تظل كوريا الجنوبية واحدة من أبرز نماذج التحول التعليمي في العالم الحديث، حيث انتقلت من مجتمع مثقل بآثار الحرب والفقر إلى دولة متقدمة في التكنولوجيا والصناعة، وكان التعليم في قلب هذا التحول، والنظام التعليمي الكوري من أعلى الأنظمة أداءً في الاختبارات الدولية، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في النتائج، بل في تحويل التعليم إلى مشروع وطني شديد الارتباط بالتنمية الاقتصادية.

لذلك التعليم في كوريا الجنوبية ليس خدمةً عامة فحسب، بل هو استثمار استراتيجي طويل المدى، تُبنى عليه المهارات الوطنية، وتُدار عبره المنافسة الدولية، وتُقاس به قدرة الدولة على البقاء في الصفوف الأولى من الاقتصاد المعرفي.

6. سنغافورة: قوة الدولة في التعليم

يبدو التعليم في سنغافورة وكأنه فنّ من فنون هندسة التخطيط الحضاري؛ إذ إنَّ الدولة لم تترك المدرسة لتتطور عشوائيًا، بل صاغت لها إطارًا واضحًا يربط بين المناهج، وتكوين المعلمين، والمهارات المستقبلية، والهوية الوطنية، حيث إنَّ النظام السنغافوري يدمج بين التعليم الأكاديمي، والأنشطة اللامنهجية، وتربية القيم، وتنمية المسؤولية الاجتماعية، بحيث يخرج المتعلم حاملًا للمعرفة، ومتمتعًا في الوقت نفسه بالكفايات الشخصية والاجتماعية اللازمة للحياة الحديثة أي رعاية وتنشئة إنسانية راقية.

هذه التجربة تعلمنا أن التعليم حين يُدار برؤية متكاملة، يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تصميم المجتمع كله، لا مجرد مسار أكاديمي محدود.

7. ماليزيا: تعليم بين الأصالة والحداثة

تقدم ماليزيا نموذجًا مهمًا في العالم الإسلامي، لأنها حاولت منذ عقود أن تبني تعليمًا يوفق بين الهوية والتحديث. فقد جاءت Malaysian Education Blueprint 2013-2025، لتؤكد أن الهدف ليس مجرد التوسع في التمدرس، بل تحسين الجودة، ورفع مستوى المعلم، وتقوية اللغة والعلوم، وربط المدرسة بمستقبل اقتصادي أكثر تنافسية.

هذه التجربة الماليزية ذات دلالة خاصة للعالم العربي والإسلامي، لأنها لا تنطلق من قطيعة مع المرجعية الثقافية الإسلامية، ولا عبر الانغلاق عليها، بل من محاولة عملية لصياغة توازن بين الأصالة والكفاءة، بين القيم المحلية والانفتاح العالمي.

8. إيران: نموذج التعليم التخصصي المقيد

التجربة الإيرانية، مثال آخر على سعي مجتمع مسلم إلى بناء تعليم ذي طابع علمي وتقني ملحوظ، خصوصًا في بعض الحقول المرتبطة بالهندسة والعلوم الدقيقة. غير أن هذه التجربة، رغم ما راكمته من حضور أكاديمي وتخصصي، تظل محكومة ببنية سياسية وأيديولوجية خاصة جعلت التعليم جزءًا من مشروع الدولة الأيديولوجي بقدر ما هو جزء من مشروعها المعرفي، كما أن تجربة لا تصلح للاستنساخ في العالم العربي، لأن قوتها مرتبطة بسياقها الداخلي، وبطبيعة مركزيتها السياسية، وبمعادلة تنظيم العلاقة بين المعرفة والسلطة والهوية؛ حيث إنَّ ما يصلح لإيران في هذا الإطار لا يَصلح بالضرورة لمجتمعات عربية متعددة المرجعيات والتكوينات والمؤسسات.

لكن ما تُظهره إيران يكمن في أن التعليم يمكن أن يحقق تقدمًا نسبيًا حتى في ظل الضغوط، لكن هذا التقدم لا يعني قابلية النموذج للتعميم. فالمسألة ليست في وجود جامعات أو كثافة تخصصات، بل في طبيعة الحاضنة السياسية والثقافية التي تجعل التعليم أداةً لصياغة مجتمع معين، وبالتالي فإن النقل الحرفي للتجربة الإيرانية إلى العالم العربي سيكون نقلًا لآلية خارج سياقها، وهو ما لا ينتج إصلاحًا حقيقيًا بل يخلق ازدواجية جديدة بين الشكل والمضمون.

9. تركيا: خصوصية نموذج الإصلاح التعليمي

تمثل تركيا حالة مختلفة ينبغي التعامل معها بحذر نقدي، لا بوصفها نموذجًا جاهزًا للاحتذاء، بل تجربةً ذات خصوصية تاريخية وجيوسياسية لا تتطابق مع العالم العربي؛ إذ إنَّ الإصلاحات التعليمية التركية، انبثقت حول رفع الجودة والعدالة، وتحسين الحوكمة، والاستجابة لسوق العمل، وهذا المسار ظل محكومًا بتوترات بين المركزية والهوية السياسية، وبين تحديث المناهج وتحول السياقات العامة. المؤكد أن النموذج التركي لا يصلح للعالم العربي لأنه قام داخل دولة قومية ذات بنية مؤسسية مختلفة، وبتراث من العلمانية التنظيمية المركزية، وبقدرة على توظيف التعليم في مشروع دولة موحدة نسبيًا، بينما في العالم العربي، فالمعضلة أعمق: تتعلق بتشتت البنى، وضعف الاستقلال الأكاديمي، وتعدد المرجعيات، وتباين مستويات التنمية، فضلًا عن غياب مشروع حضاري عربي جامع، لذلك استنساخ التجربة التركية قد يورثنا القشرة الإدارية دون الجوهر المؤسسي.

أي تعليم يصلح أحوالنا؟

في العالم العربي والإسلامي، لا يفتقر النقاش إلى الشعارات والأشعار حول أهمية التعليم، بل يفتقر إلى الحسم في سؤال الوظيفة: ما التعليم الذي نريده فعلًا؟ هل نريد تعليمًا للحفظ أم للفهم؟ للوظيفة أم للنهضة؟ لإنتاج الأفراد أم لبناء الإنسان؟ إن هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي مفتاح كل إصلاح جاد.

الذي يصلح أحوالنا ليس تعليمًا يكرر ما هو قائم، ولا تعليمًا يستورد القوالب الجاهزة دون فهم سياقها، بل تعليمًا يربط بين الأصالة والحداثة، وبين الهوية والانفتاح، وبين القيم والمعرفة. نحتاج إلى تعليم يعيد الاعتبار للمعلم بوصفه صانعًا للوعي، ويمنح المدرسة والجامعة استقلالًا حقيقيًا، ويجعل البحث العلمي جزءًا من الحياة الوطنية لا زينةً خطابية.

بل نحتاج إلى أن نفهم أن التعليم في عصرنا لا يُقاس بعدد السنوات الدراسية فقط، بل بقدرته على إعداد الإنسان لعالم تتصارع فيه الفلسفات، وتتزاحم فيه المرجعيات، وتتسابق فيه الأمم على قاعدة علمية وثقافية وحضارية بالغة التعقيد، فإذا لم يكن بمقدور تعليمنا تخريج عقلٍ نقدي، وروحٍ منفتحة، وكفاءةٍ منتجة، فإنه لن يخرجنا من موقع التبعية والتقليد إلى موقع الاستقلال والفعل.

من المدرسة إلى الحضارة

الأمم الحية والحرة لا تُصنع بالموارد وحدها، بل بطريقة فهمها للمعرفة وتوظيفها، فالتعليم، إذا أُحسن بناؤه، يستطيع أن يفتح طريقًا جديدًا في التاريخ، لأنه يهيئ الإنسان الذي سيبتكر، ويخطط، ويقود، ويعيد تعريف الممكن.

وعليه فإن التجارب الكبرى - من إسبانيا إلى الغرب، ومن فنلندا إلى اليابان، ومن كوريا إلى سنغافورة، ومن ماليزيا وإيران إلى تركيا - تؤكد أن الحضارة تبدأ يوم يتحول التعليم من عملية تلقين إلى فعل إبداع.

وفي عالمنا العربي والإسلامي، لن تكون النهضة ممكنة ما لم نعد طرح السؤال الجوهري بجرأة: أي تعليم نريد؟ وعندما نجيب عنه، لا بالكلام الإنشائي بل ببناء مؤسسات حية، عندها فقط سنبدأ في العبور من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

كاتب وباحث في الفكر