آخر تحديث: 7 / 7 / 2026م - 9:06 م

فقدنا خيرة الشباب الطيب آل مدن والخضراوي

حسين الدخيل *

فقد الأحبة، خصوصًا الشباب، من أصعب الابتلاءات التي تمر على الإنسان، فهو ألم يلامس القلب ويترك في النفس فراغًا لا يملؤه شيء. وتزداد مرارة الفقد حين يكون الراحل شابًا في مقتبل العمر، يحمل الأحلام والطموحات، وتنتظر منه أسرته ومجتمعه الكثير. فحين يرحل الشباب، لا تفقد الأسرة فردًا فحسب، بل تفقد جزءًا من مستقبلها وذكرياتها وآمالها.

وقد عاشت بلدة القديح مؤخرًا مشاعر الحزن والأسى برحيل الشاب علي حسن آل مدن، الذي انتقل إلى رحمة الله إثر عارض صحي مفاجئ، وتوفي في منزله بالقديح وهو يساعد والده المريض. وهذا الوالد الصبور المؤمن، الحاج حسن صالح آل مدن، الذي فقد ابنه الأكبر عبد الخالق، وبعد ذلك الابن الثاني عبد الله، ثم زوجته، ثم ابنه الثالث صالح، وأخيرًا يفقد ابنه الرابع علي، ويتوفى وهو يعينه في المنزل ويراه ممددًا أمام عينيه… أعان الله هذا القلب الصبور.

وترك الشاب علي آل مدن خلفه حزنًا عميقًا في قلوب أهله وأصدقائه ومحبيه. وقد نعاه أبناء البلدة بكل محبة وتقدير، مستذكرين أخلاقه الطيبة وسيرته الحسنة بين الناس.

والده الذي يرقد على السرير الأبيض بمنزلهم بالفريق الشرقي من بلدة القديح، الحاج حسن صالح آل مدن، أبو عبد الخالق، مثال يُحتذى به في الصبر والثبات والإيمان بقضاء الله وقدره، فهو قصة صبر على البلاء؛ إذ ابتُلي بفقد أعز الناس إلى قلبه، زوجته وأبنائه الأربعة الشباب: عبد الخالق وعبد الله وصالح وعلي، وهي مصائب عظيمة، إلا أنه واجهها بقلب مؤمن ونفس راضية محتسبة. ففي زيارتي له كلما فقد أحد أبنائه، لقربي من هذه العائلة الكريمة الطيبة المؤمنة، أراه صبورًا محتسبًا، مسلمًا أمره لله سبحانه وتعالى.

لقد كان فقد الأبناء من أشد الابتلاءات التي يمر بها الإنسان، فكيف إذا كان الفقد متكررًا وشمل أربعة من فلذات الكبد الذين كانوا مصدر الفرح والأمل والسند لوالدهم؟ ثم ازداد الحزن برحيل زوجته، شريكة العمر ورفيقة الدرب، لتتوالى الأحزان على قلبه الكريم خلال السنوات الخمس، ومع ذلك ظل أبو عبد الخالق متمسكًا بإيمانه، مستعينًا بالله تعالى، مستذكرًا قوله عز وجل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

لقد عرفه الناس بصبره وهدوئه وحسن خلقه، فلم يكن الجزع طريقه، بل كان الرضا بقضاء الله شعاره، والإيمان بأن الدنيا دار عبور، وأن اللقاء الحقيقي يكون في رحاب رحمة الله سبحانه وتعالى. وكان يستمد قوته من يقينه بأن الله يجزي الصابرين أجرًا بغير حساب، وأن أولاده الأربعة وزوجته الذين رحلوا قد انتقلوا إلى جوار رب كريم أرحم بهم من الدنيا وما فيها.

وفجعت بلدة القديح يوم الأحد الموافق 5 يوليو 2026 م بشاب طيب من خيرة الشباب المؤمن المحب لأهل البيت .

الشاب السيد عقيل السيد علوي الخضراوي… نموذج للشباب الواعد من القديح.

فقد كان ذا أخلاق طيبة وصفات كريمة، دائمًا يقابل الناس بابتسامة والكلمة الطيبة، وخدمة المؤمنين، ويسعى دائمًا بوجوده في المجالس الحسينية وحضوره في الأفراح والأتراح في مناسبات أهل البيت .

ومجتمعه. وحتى أثناء مرضه وخروجه من المستشفى، كان لا يترك الصلاة في المسجد وزيارة أرحامه وأصدقائه، وحضوره الدائم في مجالسهم.

كما أن رحيل الأحبة من أبناء العوائل الكريمة في القديح، ومنهم أبناء أسرة آل مدن والخضراوي الكرام، يذكّرنا بحقيقة الدنيا وأنها دار ممر لا دار مقر، وأن الإنسان مهما طال به العمر فإن مصيره إلى لقاء ربه. وقد شهدت البلدة عبر السنين رحيل عدد من الشباب والأعزاء الذين تركوا أثرًا طيبًا في المجتمع وذكرًا حسنًا بين الناس.

إن موت الشباب يوقظ في النفوس مشاعر التأمل والتفكر، ويذكرنا بقصر الحياة وسرعة انقضائها، فلا أحد يعلم متى يحين أجله. لذلك كان من الحكمة أن يستثمر الإنسان عمره في الخير والعمل الصالح وخدمة الناس وصلة الأرحام، وأن يترك خلفه سيرة طيبة تبقى بعد رحيله.

وفي لحظات الفقد، لا يملك المؤمن إلا الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، مستحضرًا قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . فالصبر لا يزيل الحزن، ولكنه يمنح القلب قوة على تحمله، ويجعل الذكرى دعاء ورحمة بدل أن تكون ألمًا لا ينتهي.

نسأل الله تعالى أن يتغمد جميع موتى المؤمنين والمؤمنات بواسع رحمته، وأن يرحم الشاب علي حسن آل مدن، والشاب السيد عقيل السيد علوي الخضراوي وسائر من فقدناهم من الأحبة، وأن يسكنهم فسيح جناته مع محمد وآله الطاهرين، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، ويجعل ما أصابهم في ميزان حسناتهم.

رحم الله من غابوا عن أعيننا، وبقيت صورهم وذكرياتهم ودعواتهم الطيبة حاضرة في قلوبنا، فما مات من ترك أثرًا جميلًا وذكرًا حسنًا بين الناس.

رحم الله جميع الراحلين، يا رب العالمين.