آخر تحديث: 9 / 7 / 2026م - 3:44 م

كفى ترقيعًا

لسنوات طويلة، اعتادت كثير من المنظمات والكيانات سواء كانت دينية أو اجتماعية أو خيرية أو رياضية أن تواجه تحدياتها بمنطق واحد: إصلاح ما هو قائم، فتعدل إجراءً هنا وتضيف آخر هناك، وتصدر أمرًا هنا، ثم تلغيه بأمر آخر هناك، وهكذا تدخل في دائرة لا تنتهي من الإصلاحات الجزئية، ظنًا منها أن هذه المعالجات السطحية أو هذه الترقيعات المؤقتة كفيلة بتطويرها أو بتحسينها؛ غير أن العالم لم يعد يتحرك بالسرعة التي اعتادت عليها هذه المنظمات، بل أصبح يتغير بوتيرة غير مسبوقة، فالاحتياجات تتبدل، والتقنيات تتطور وتوقعات المستفيدين ترتفع باستمرار، والمنافسة لم تعد تقتصر على تقديم الخدمة، بل أصبحت في سرعة تقديمها وجودتها وسهولة الوصول إليها.

ومن هنا يبرز مفهوم ”الهندرة الإدارية“ لا بوصفه برنامجًا لتحسين الأداء، ولا مشروعًا لإضافة إجراءات جديدة، ولا لتجميل نظامٍ قديم، وإنما باعتباره تحولًا جذريًا في طريقة التفكير، ليطرح سؤالًا جريئًا طالما تهربت منه المؤسسات: ماذا لو لم تكن المشكلة في الأشخاص، ولا في الإجراءات، ولا في الطريقة، بل في المؤسسة أو المنظمة نفسها؟ وماذا لو كان الحل الحقيقي لا يبدأ بإصلاح ما هو قائم، بل بإعادة بنائه من جديد؟ فهل نستمر في ترميم جدار يتصدع كل يوم، أم نمتلك الشجاعة لهدمه، وبنائه من جديد؟

حين يصبح الإصلاح هو المشكلة

ليس كل ما يسمى إصلاحًا يؤدي إلى الإصلاح؛ فهناك لحظات تتحول فيها محاولات الإصلاح المتكررة إلى جزء من المشكلة نفسها، فعندما نعالج الأخطاء بإضافة تعليمات جديدة، ونواجه التأخير بمزيد من الموافقات وتحل الشكاوى بإجراءات رقابية إضافية، فإن النتيجة في الغالب لا تكون أداءً أفضل، بل منظومة أكثر تعقيدًا وأبطأ استجابةً.

وقد لخص بيتر دراكر هذه الحقيقة بعبارته الشهيرة حين قال: ”ليس هناك ما هو أكثر هدرًا للموارد من أداء عمل بكفاءة عالية، كان من الأفضل ألا ينجز أصلًا“، فالقضية ليست في كفاءة التنفيذ، بل في صحة ما ننفذ.

تخيلوا لو أن رجلًا امتلك قاربًا صغيرًا يعبر به النهر كل يوم، ومع مرور السنوات بدأ القارب يتشقق، فكان كلما ظهر ثقب سده، حتى امتلأ القارب بالرقع من كل جانب وأصبح أثقل وأبطأ وأكثر عرضة للغرق، وعندما نصحه أحدهم بشراء قارب آخر جديد، أجاب: ”لقد أصلحت هذا القارب عشرات المرات، فلا حاجة إلى استبداله.“

الكلفة الخفية للترقيع

لا تكمن خطورة الترقيع في كلفته المالية المباشرة فحسب، بل في كلفته غير المرئية التي تتراكم عامًا بعد عام؛ فكل تعديل جزئي قد يبدو بسيطًا عند اتخاذه، لكنه في الحقيقة يضيف خطوة عكسية إلى الوراء، ومع مرور الوقت تتحول هذه الإضافات الصغيرة إلى عبء تنظيمي ثقيل، فتفقد المنظومة مرونتها، ويصبح التغيير أكثر تعقيدًا، وتزداد مقاومة العاملين لأي تطور جديد لأنهم اعتادوا التكيف مع نظام متشابك يصعب فهمه فضلًا عن تحسينه.

ماذا نعني بالهندرة؟

الهندرة ليست فن إصلاح ما هو قائم، ولا مهارة تجميل الأنظمة المتهالكة، بل هي شجاعة هدم المسلمات قبل إعادة بنائها؛ إنها منهج إداري يعيد التفكير في العمل من نقطة الصفر، ليسأل: لماذا نؤدي هذا العمل أصلًا؟ وهل ما زالت هذه الإجراءات التي نقوم بها تحقق قيمة حقيقية أم لا؟ ثم يعيد تصميم العمليات من جذورها ويعيد تشكيل أساليب العمل، والأدوار، والهياكل، والثقافة التنظيمية التي تدعمها، ليصنع منظومة أكثر بساطة وأعلى كفاءة، وأسرع استجابة، وأكثر قدرة على تحقيق قيمة حقيقية للمستفيد.

لماذا تختلف الهندرة عن الإصلاح؟

الإصلاح يتعامل مع النظام القائم كأنه صحيح في أصله، لكنه يحتاج إلى تعديل أو ترميم أو تسريع أو ضبط؛ لذلك يضيف نموذجًا، أو يختصر خطوة، أو يدرب موظفًا، أو يغير لائحة، أما الهندرة فهي لا تفترض أن النظام صحيح، بل تضعه كله على طاولة السؤال، وتعيد النظر في الغاية من وجوده، وفي خطواته، وفي الجهات التي تشارك فيه، وفي القيمة التي يضيفها للمستفيد. ولعل أقرب مثال يوضح ذلك هو البنوك، ففي الماضي، كان فتح حساب بنكي يتطلب زيارة الفرع، وتعبئة النماذج، وتصوير الهوية، وانتظار موافقات متعددة، والإصلاح كان يمكن أن يكون بتقليل النماذج أو زيادة عدد الموظفين، أو تخصيص شباك إضافي وغيرها.

بينما في الهندرة، أُعيد تصميم العملية بالكامل، وأصبح العميل يفتح حسابه عبر التطبيق في دقائق، وتتحقق هويته إلكترونيًا، وتنشأ خدماته دون أن يزور الفرع أصلًا، وهنا لم تسرع الإجراءات القديمة، بل اختفت معظمها.

ومن أشهر الأمثلة كذلك التي تدرس في الهندرة تجربة شركة فورد في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت تمتلك قسمًا ضخمًا للحسابات الدائنة يضم نحو خمسمائة موظف، وكانت الإدارة تعتقد أن الحل يكمن في زيادة كفاءة العاملين أو تطوير النماذج المحاسبية، لكن بعد دراسة دقيقة، اكتشف الفريق المتخصص أن المشكلة ليست في الموظفين، ولا في مستوى أدائهم، وإنما في تصميم العملية نفسها، والنتيجة كانت مذهلة: إذ انخفض عدد العاملين إلى أقل من الربع، مع تحسن مستوى الدقة، وتسريع إنجاز المعاملات، وخفض التكلفة بصورة كبيرة.

من أين نبدأ رحلة الهندرة؟

قد يظن البعض أن إعادة بناء مؤسسة قائمة فكرةً مثاليةً يصعب تطبيقها؛ لأن المؤسسات ليست مجرد جدران وأعمدة وأسقف يمكن هدمها وإعادة تشييدها كما نفعل في البيوت القديمة القائمة، بل هي سنوات من العمل والحركة، والثقافة المتجذرة، والعلاقات المتشابكة، والمصالح المتداخلة، ولذلك يبدو أن التغيير الجذري لأول وهلة أمرًا بعيد المنال، بل خيارًا محفوفًا بالمخاطر.

لكن الحقيقة أن البقاء على نظام أو منهج أو حتى أسلوب واحد لم يعد قادرًا على تحقيق أهدافه هو المغامرة الحقيقية، وأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة ليس التغيير، بل الاعتياد والإصرار على نظام انتهت صلاحيته، ومواصلة إصلاحه عامًا بعد عام، رغم أن الأداء لا يحقق أي تحول حقيقي، ولا يشهد تحسنًا جوهريًا.

كيف نعيد بناء مؤسساتنا؟

لقد أثبتت التجارب والدراسات العلمية أن الانتقال من ثقافة الترقيع إلى ثقافة إعادة البناء لا يتحقق بمجرد الرغبة أو التمني، أو بالشعارات واللوائح، وإنما بمنهج عملي واضح يقود المؤسسة من واقعها الحالي إلى واقع مختلف تمامًا، وهذا ما أكده مايكل هامر وجيمس تشامبي مؤسسا مفهوم الهندرة الإدارية، حين بينا أن إعادة بناء المؤسسات ليست عملية ارتجالية أو استجابة انفعالية لمشكلة طارئة، وإنما منهج عملي منظم يبدأ بإعادة التفكير الجذري في طريقة أداء العمل، ثم بإعادة تصميم العمليات من الصفر، وصولًا إلى تحقيق قفزات جوهرية في الأداء والجودة والسرعة والتكلفة، لأن التحول من ثقافة الترقيع إلى البناء ليس شعارًا، بل مسارًا عمليًا يمكن تلخيصه في ثلاث محطات منهجية:

أولًا: شخّص الجذور... لا الأعراض

من أكثر الأخطاء الإدارية تكلفة أن تنشغل المؤسسة بمعالجة الأعراض، وتهمل الأسباب التي أوجدتها، فارتفاع معدل الشكاوى، وتأخر إنجاز المعاملات، وتراجع الإنتاجية، وزيادة دوران الموظفين، ليست في الغالب هي المشكلة الحقيقية، وإنما إشارات تنبه إلى وجود خلل أعمق في تصميم العمل أو في السياسات أو في الثقافة التنظيمية.

ولهذا فإن المؤسسات التقليدية غالبًا ما تسارع إلى معالجة العرض: فإذا تأخر الإنجاز أصدرت تعميمًا جديدًا، وإذا كثرت الأخطاء أضافت نموذجًا آخر، وإذا انخفض الأداء كثفت الرقابة على الموظفين، فتبدو وكأنها تعالج المشكلة، بينما هي في الحقيقة تخفف أعراضها فقط. وهذا تمامًا يشبه طبيبًا يصف خافضًا للحرارة لمريض يعاني من التهاب خطير، فتزول الحمى لساعات قليلة، لكن المرض يواصل انتشاره في الداخل، فاختفاء العرض لا يعني زوال السبب، بل قد يمنح شعورًا زائفًا بأن المشكلة قد حلت وهي ليست كذلك.

ثانيًا: أعد تصميم العمل... لا ترقيعه

ومن الأخطاء التي تقع فيها كثير من المؤسسات أنها تتعامل مع أنظمة العمل كما لو كانت شيئًا مقدسًا لا يجوز المساس به، فتسعى إلى الحفاظ عليه مهما كثرت عيوبه، وتكتفي بإضافة تعديل هنا، واستثناء هناك، ولائحة جديدة أو نموذج إضافي، حتى تتحول العملية الواحدة إلى سلسلة طويلة من الخطوات التي يصعب فهمها، فضلًا عن تنفيذها بكفاءة.

والمشكلة أن كل ترميم جديد يبقي النظام القديم حيًا، لكنه يجعله أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة وأبطأ استجابةً؛ فالأنظمة كالمباني، لها عمر افتراضي، وإذا تهالكت أساساتها، فلن يجدي طلاء الجدران ولا ترميم الشقوق، لأن الخلل لم يعد في المظهر، بل في البنية التي يقوم عليها البناء كله.

ثالثًا: اجعل الإنسان يقود التغيير لا يقاومه

ومن وجهة نظري أن أكبر عقبة أمام تطبيق الهندرة على مستوى المؤسسات أو حتى على مستوى الأفراد ليس في النظام القديم ولا في الإجراءات المعقدة فحسب، بل في العقل الذي لا يزال يرى أن نجاح الأمس يكفي لمواجهة تحديات اليوم والمستقبل، وذلك لأن الهندرة ليست مشروعًا لتغيير الأنظمة فحسب، بل مشروعٌ لتغيير طريقة التفكير التي أنشأت تلك الأنظمة أصلًا؛ فما لم تتغير القناعات، وتتحرر العقول من أسر المألوف، فإن كل نظام جديد سيدار بالعقلية القديمة، وسيتحول مع مرور الوقت إلى نسخة أخرى من المشكلة نفسها. فكم من مؤسسة امتلكت أفضل الخطط، وأحدث التقنيات، وأنفقت ملايين الريالات على مشاريع التطوير، ثم انتهت إلى النتيجة نفسها، لأن الذي تغير هو الأدوات، أما طريقة التفكير فقد بقيت كما هي.

الخاتمة:

وفي النهاية يمكن أن نقول: ليست المشكلة في أن بعض المؤسسات تخطئ، فكل مؤسسة تخطئ، أو أنها تحتاج إلى التطوير، فالتطوير سنة الحياة، وإنما المشكلة الحقيقية أن تتحول المعالجات والحلول المؤقتة إلى ثقافة، وأن يصبح الترقيع منهجًا، والإصلاح الجزئي بديلًا عن التغيير الجذري. فالهندرة ليست دعوة إلى هدم المؤسسات، بل إلى هدم طرق التفكير التي أعاقت نموها، وعندما تمتلك المؤسسة شجاعة أن تبدأ من جديد، فإنها لا تعيد بناء إجراءاتها فحسب، بل تعيد بناء مستقبلها من جديد.