عالم يتراجع
كثير من الأسئلة تثار في الوقت المعاصر، وتشغل الفكر الإنساني، وتعيش معه في يومياته، وتقلق حياته، وتسلبه الراحة والاستقرار. عالم من الضبابية يكتنفه الغموض، وتحيط حياته الأجندات والمخططات. أسئلة كثيرة: ماذا بعد؟ وما يُرسم لعالم يسمى جديدًا؟ وما يُخطط له بمقاييس خاصة تطبخ على نار هادئة ليظهر بصورة ناعمة في وسائل الإعلام والدبلوماسية المنمقة؛ ليعطي نتائج ساخنة وغاية في الخطورة.
بالطبع، هذا الواقع لا يصيغه علماء الاجتماع، وأتقياء العالم، ورحماء القلوب، وأتباع مفاهيم سماوية ومبادئ أخلاقية، بل يصاغ من قبل علماء متخصصين ومراكز أبحاث وهيئات مختصة تدعمها مراكز قوى وشركات عابرة للقارات. تفرض مشاريع في ظاهرها تخدم الإنسانية، وفي واقعها مخططات استباقية، وفي مراحل أخرى حروب استباقية. تعمل جاهدة بكل الوسائل المتاحة، وتستخدم القوى الناعمة وغيرها من الوسائل.
لا مانع أن يصل حال هذا العالم الجديد إلى جرائم الحرب وتطبيق شريعة الغاب. تجرب الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليًا والأدوية، وكثيرًا من التجارب، ومدى فاعليتها على الإنسان. لا تأكل هذه الأجندات فقط قوت يوم الإنسان، بل تأخذ معها أرواحًا بريئة بعدما تهدم بنيته التحتية، ويعيش هذا الإنسان في العالم الجديد أقسى صور المعاناة.
كل ذلك يتأتى من مراكز قوى لا ينقصها الثروة والقوة الاقتصادية والرفاهية؛ مجتمعات، رغم عدد سكانها القليل بالنسبة لسكان العالم ومساحتها بالنسبة لمساحة العالم، تملك الكثير، واقتصادًا قويًا، وخيرات لا تُعد ولا تُحصى، لكن روح الهيمنة والطمع عندها لا تتوقف وبلا حدود.
ليس بالتفاهمات وبناء تكتلات اقتصادية ومصالح مشتركة ليبنى هذا العالم، بل بفرض الواقع وعلى الجميع الرضا والقبول. لا مشاعر إنسانية، ولا وازع أخلاقي أو ديني، بل المصلحة الفردية. تدخلات في شؤون الغير، والمسميات جاهزة لخدمة تلك الأجندات. يُفكك المفكك، ويضعف الضعيف، ويزيد الفقراء فقرًا.
عالم جديد، خيراته الوفيرة يُحرم منها أصحاب الشأن، وتستفيد شركات ومراكز قوى عالمية من هذه الخيرات، خوفًا من أن يُستفاد منها، وتُستغل تلك الثروات في بناء مجتمعات مستقلة ذات اقتصاد يخدم مجتمعاتها.
ما ينطبق على العالم من تراجع في جميع مجالاته الحياتية، بالطبع، ينطبق أكثره على العالم الثالث، ومن العالم الثالث يبرز الشرق الأوسط كعلامة فارقة. فما كان يسمى قديمًا الشرق الأدنى أو الأقصى، أصبح يسمى بمسميات الشرق الأوسط الجديد والشرق الأوسط الكبير، بحسب المصالح العالمية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
بعد ضعف وترهل الإمبراطورية العثمانية، حيث أطلق عليها في آخر أيامها «الرجل المريض»، وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت متغيرات على الساحة الدولية، وبدأ الاهتمام المتزايد بهذه المنطقة التي سميت بالشرق، وهي تسمية جديدة ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي؛ مفهوم يشمل عددًا من الدول، تزيد وتنقص حسب الحسابات العالمية.
تتضارب فيه المسميات، مع عدم وجود مقياس موضوعي لتحديد نظام إقليمي لهذه المنطقة. تدخل مصطلحات، وتُحذف أخرى من وجهة نظر تلك القوى والمراكز العالمية، لتحجيمها، وأن تعيش في وضع متوتر يسهل التحكم فيه لأهميته الاستراتيجية وموقعه الجغرافي، حيث تحظى هذه المنطقة بمكانة مهمة للعالم.
لها امتداد تاريخي يشمل الحضارات القديمة وإمبراطوريات عظيمة، إذ تربط القارات الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا، وتضم الثروات الطبيعية والأراضي الخصبة والأنهار الكبرى ومضايق مهمة. كل ذلك له تأثيره على الاقتصاد العالمي، وأن أي خلل أو توتر أو صراع لا يتحمله الاقتصاد العالمي المتدهور أساسًا بسبب الحروب والتجاوزات والنزاعات المفتعلة؛ مما جعل العالم أجمع أسيرًا للتسابق على شراء السلاح.
والعالم الثالث، في ظل مخطط العالم الجديد، أكثر إنفاقًا على شراء السلاح من دول العالم، في ظل نشر الخوف من الآخر وافتعال أزمات طائفية وعرقية وحدودية؛ مما يجعل المنطقة في حالة عدم استقرار، وساحة تجاذب ومنافسة بين قوى عالمية تحت مظلة ورؤية واحدة، وفرض واقع على الأرض، وهو تفكيك العالم جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.













