آخر تحديث: 10 / 7 / 2026م - 8:22 م

محمد رضا نصر الله..

المثقف الذي شيّد جسور الحوار بين الثقافة والإعلام

نبيل عبد الأمير الربيعي * مجلة اليمامة

في الحياة الثقافية العربية شخصيات تجاوز حضورها حدود الكتابة والصحافة لتغدو جزءاً من الذاكرة الفكرية للأمة. فالقيمة الحقيقية للمثقف لا تقاس بعدد ما نشره من مقالات وكتب فحسب، وإنما بما تركه من أثر في الوعي الجمعي، وما أسهم به في بناء جسور التواصل بين الفكر والمجتمع، وبين الثقافة والإعلام. ومن بين هذه القامات يبرز الكاتب والإعلامي السعودي محمد رضا نصر الله بوصفه واحداً من أبرز الوجوه الثقافية التي كرّست حياتها لخدمة الكلمة الحرة والحوار الرصين، حتى غدا اسمه علامة مضيئة في تاريخ الإعلام الثقافي العربي المعاصر.

وتعود معرفتي بالأستاذ محمد رضا نصر الله إلى سنوات قريبة عبر تواصل ثقافي مباشر، إذ كان الأستاذ علي عبد الرضا عوض، صاحب دار الفرات للنشر والتوزيع في بابل، حلقة الوصل الأولى بيننا بمناسبة صدور الطبعة الأولى من كتابي «الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي.. آخر المراجع العلمية في الحلة». ومنذ ذلك الحين توطدت أواصر التواصل الفكري بيننا، لتكشف لي الأيام عن شخصية تمتاز بالتواضع الجم، والرقي الإنساني، وسعة المعرفة، وعمق التجربة الثقافية.

على امتداد أكثر من خمسة عقود، استطاع محمد رضا نصر الله أن يرسخ حضوره بوصفه مثقفاً عضوياً جمع بين الصحافة والأدب والإعلام المرئي، وأسهم في تشكيل جزء مهم من المشهد الثقافي السعودي والعربي. فمنذ بداياته الصحفية في جريدة «الرياض» عام 1974، ثم إشرافه على صفحاتها الثقافية والفكرية، وصولاً إلى إدارته لتحرير «الرياض الأسبوعي» عام 1982، ظل وفياً لمشروعه الثقافي القائم على نشر المعرفة وتعميق الحوار.

وقد مثلت زاويته الشهيرة «أصوات»، التي أطلقها عام 1978، محطة بارزة في مسيرته المهنية، إذ تحولت إلى منبر فكري استقطب اهتمام القراء والنخب الثقافية، لما اتسمت به من عمق في الطرح ورصانة في التحليل وحرص على متابعة التحولات الفكرية والأدبية في العالم العربي.

ولم يتوقف عطاؤه عند الصحافة المكتوبة، بل انتقل إلى الإعلام المرئي، حيث قدم سلسلة من البرامج الثقافية والفكرية التي أصبحت جزءاً من ذاكرة المشاهد العربي، من بينها «الكلمة تدق ساعة»، و«هذا هو»، و«وجهاً لوجه»، و«حدث وحوار»، و«مواجهة مع العصر»، و«هكذا تكلموا»، و«مع المشاهير»، و«ستون دقيقة سياسية»، و«خارج الأقواس». وقد شكلت هذه البرامج منصات حوارية رفيعة استضافت نخبة من كبار الأدباء والمفكرين والسياسيين العرب والعالميين.

ولعل برنامج «هذا هو» يبقى العلامة الأبرز في مسيرته الإعلامية؛ إذ لم يكن الضيف فيه مجرد شخصية تحضر أمام الكاميرا، بل تجربة فكرية وإنسانية يعاد اكتشافها عبر أسئلة دقيقة وحوار عميق. ومن خلال هذا البرنامج حاور محمد رضا نصر الله شخصيات فكرية وأدبية وسياسية بارزة، منها: توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وزكي نجيب محمود، ومحمد مهدي الجواهري، وأدونيس، وفدوى طوقان، وسميح القاسم، وحنان عشراوي، وفيصل الحسيني، وصموئيل هنتغتون، ومراد هوفمان، وحمد الجاسر، وسعيد عقل، وغيرهم من الشخصيات التي تركت بصمات واضحة في الفكر العربي والإنساني.

ويأتي كتابه الجديد «أصوات في الأدب والفكر والاجتماع»، الصادر عن دار سطور للنشر والتوزيع في بغداد، ليجسد خلاصة هذه التجربة الطويلة. فالكتاب، الذي يقع في «449» صفحة من القطع المتوسط، لا يمثل مجرد مجموعة مقالات متفرقة، بل يعد وثيقة ثقافية مهمة ترصد لقاءات المؤلف وحواراته وتأملاته في مسيرة عدد كبير من أعلام الفكر والأدب العربي.

يأخذنا الكتاب في رحلة معرفية ثرية بين أسماء لامعة أسهمت في تشكيل المشهد الثقافي العربي الحديث، من أمثال بدر شاكر السياب، ولميعة عباس عمارة، ومحمد عابد الجابري، وعبد الوهاب المسيري، ومحمود أمين العالم، وسميح القاسم، وفدوى طوقان، ومحمد جابر الأنصاري، وغازي القصيبي، وأدونيس، وأنسي الحاج، وعبد القادر الجنابي، والشيخ حمد الجاسر، وغيرهم من الرموز الفكرية والأدبية.

وتبرز في الكتاب قيمة خاصة تتمثل في الجمع بين التوثيق والتحليل؛ فالمؤلف لا يكتفي بسرد الذكريات واللقاءات، بل يعيد قراءتها في سياقها التاريخي والثقافي، مستخلصاً منها الدلالات الفكرية والإنسانية. ولذلك تتحول هذه الشهادات إلى مادة معرفية ثرية تساعد القارئ على فهم التحولات الثقافية التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة.

وإذا كان هذا الكتاب يمثل أحدث إصدارات محمد رضا نصر الله، فإن مشروعه الثقافي يمتد إلى مؤلفات أخرى مهمة، من أبرزها «حوارات القرن» بأجزائه الثلاثة، وهو عمل توثيقي موسوعي يضم حوارات مع أكثر من مئة وخمسين شخصية عربية بارزة في مجالات الفكر والأدب والسياسة والثقافة، فضلاً عن كتاب «حوارات في الثقافة والأدب والمسرح»، الذي يجمع نخبة من أبرز حواراته مع المبدعين والمفكرين العرب.

ولم يكن حضور محمد رضا نصر الله مقتصراً على الحقل الثقافي والإعلامي فحسب، بل امتد إلى المجال العام؛ إذ عُين عضواً في مجلس الشورى السعودي عام 1426 هـ، واستمر في عضويته ثلاث دورات متتالية امتدت اثني عشر عاماً، كما شغل منصب أمين عام الهيئة الاستشارية للثقافة في وزارة الثقافة والإعلام، وأسهم في تأسيس نادي الرياض الأدبي، وكان من الداعمين لإنشاء نادي المنطقة الشرقية الأدبي، في دلالة واضحة على إيمانه العميق بدور المؤسسات الثقافية في بناء المجتمع.

ولعل خير من لخص شخصيته الثقافية والفكرية الدكتور نزار عبيد مدني في تقديمه لكتاب «أصوات في الأدب والفكر والاجتماع»، حين وصفه بالمثقف الواعي، والعقلاني المتزن، وصاحب الحجة القوية والرأي السديد. وهي صفات لم تأتِ من فراغ، بل كانت حصيلة رحلة طويلة من المثابرة والعمل الدؤوب والإخلاص للمشروع الثقافي.

لقد أثبت محمد رضا نصر الله أن المثقف الحقيقي ليس من ينعزل في أبراج المعرفة المغلقة، وإنما من يجعل الثقافة جزءاً من الحياة العامة، ويحول الحوار إلى وسيلة للتقارب بين البشر والأفكار. ولهذا ظل حضوره فاعلاً ومؤثراً حتى اليوم، مواصلاً أداء رسالته الثقافية بثبات وإيمان عميق بقيمة الكلمة ودورها في صناعة الوعي.

وهكذا يبدو محمد رضا نصر الله، بعد أكثر من نصف قرن من العطاء، واحداً من حراس الذاكرة الثقافية العربية، ومن الأصوات التي لم تتوقف عن الدفاع عن العقل والمعرفة والجمال. وهي مكانة استحقها عن جدارة، وصاغتها سنوات طويلة من الاجتهاد والإخلاص والإيمان بأن الثقافة هي الطريق الأرحب لبناء الإنسان وصناعة المستقبل.

كاتب وباحث وصحفي ومؤرخ عراقي من مدينة الديوانية. يعمل في مجال التعليم المهني بمحافظة بابل، وله مؤلفات ودراسات تاريخية وفكرية متعددة.