شذرات من حياة الإمام السجاد (ع)
من الشخصيات الإسلامية التي اتفقت عليها كلمة المسلمين علي بن الحسين، الذي حاز الكثير من الألقاب والكنى التي تدل على عظمته ومكانته؛ منها زين العابدين، والسجاد، والبكَّاء، والعابد، وذو الثفنات.
وقد بشَّر به النبي ﷺ وأشار إليه بالرواية التي تدل على اختصاصه بمكانة سامية في ساحة المحشر، كما في الرواية التي يرويها جابر بن عبد الله الأنصاري وابن عباس عن رسول الله ﷺ، حيث يقول: «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطو بين الصفوف».
هذه الشخصية يصعب على الباحثين التعرف على مكانتها وعلو شأنها، ولكن باستشرافٍ وتأملٍ قليلين في حياته المليئة بالدروس والعبر، يمكن استخلاص بعض الشذرات التي تنير طريق المحبين.
لذا سأتناول ثلاثة دروسٍ في حياته المباركة لتنير لنا دروب الطريق المظلمة، وهي تباعًا: التدبير الإلهي، والتسليم، والسجود.
التدبير الإلهي: من المعلوم أن خطة القوم في أحداث كربلاء ألا يُبقوا لأهل بيت النبي باقية؛ فهم لم يرحموا الطفل الصغير ولا النساء، بل اعتدوا عليهم بعد استشهاد الإمام الحسين
في كربلاء، ولم تسلم حتى الخيام التي كانت تؤوي العائلة.
فرغم محاولتهم قتل الإمام السجاد وهو العليل الذي لم يشارك في المعركة، لكن التدبير الإلهي، ووقوف السيدة زينب
حالا بين القوم وفعلهم، كما كان التابوت الذي حفظ نبي الله موسى
حين وضعته أمه فيه لترمي به في اليم ليتخذه أعدى أعدائه ويحافظ عليه بالإرادة الربانية.
هذا الدرس العظيم ما أحوجنا إليه بصفتنا مؤمنين ونحن نمر بزمن صعب، ومع هذه الأزمات التي تعصف بنا؛ خصوصًا مع هذه الملهيات والانشغال بزخارف الدنيا وزبارجها، علينا أن نضع التدبير الإلهي نصب أعيننا، ويكون لدينا اليقين بالوعد الإلهي بنصر المؤمنين في الحياة الدنيا.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]
أما التسليم: فمن المعلوم أن البلاء هو سمة طبيعية للمؤمنين، وأن المؤمن مثل كفتي الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه، وها هو سيد الكون النبي الأعظم ﷺ يخبرنا بأنه ما أُوذِيَ نبي كما أُوذِيتُ.
ناهيك عما جرى على أمير المؤمنين
بعد رحيل النبي ﷺ، فحين أُخذ عليٌّ غصبًا ليبايع وهو ملبب، فما كان من سلمان المحمدي إلا أن يقول: أيصنع ذا بهذا؟ والله لو أقسم على الله لانطبقت هذه على هذه؛ إشارة للسماء على الأرض.
وهكذا كان ما جرى على سيد العابدين حينما أخذ أسيرًا من بلد إلى بلد وهو مقيد، والأغلال الجامعة على عنقه بهذه المسافة الطويلة، فمن كربلاء حتى أُدخل الشام وهو على الدواب بدون غطاء ووطاء، وهو مسلِّمٌ لله في هذا الابتلاء، يلهج بذكر الله ومناجاته، ولو شاء لأشار بأصبعه ليخضع الكون كله ويقلبها عليهم.
هذا الدرس الكبير في حياته يجب أن يكون نبراسًا نستضيء به، فللأسف بعضنا لمجرد مشكلات بسيطة يصفها بأنها قاصمةٌ للظهر، فأين نحن من حياته سلام الله عليه.
قد لقب الإمام بالسجاد لكثرة سجوده، ورغم أنه وصف بذي الثفنات من كثرة سجوده، لكنه اعتبر للسجود مقامين: ظاهريًّا وهو تلك الحركة الجسدية على الأعضاء السبعة، وباطنيًّا وهو تلك الحالة من التذلل والتواضع بين يدي الله عز وجل.
فالإمام اعتبر حقيقة السجود مظهر الوصول إلى الله والقرب منه، ورغم المظهر الخارجي، كان تعلقه بخالقه عظيمًا حتى كأنه نسي الدنيا وما فيها من خلال الأدعية التي ورثها لنا من الصحيفة السجادية، والتي تُعدُّ زبور آل محمد بما تحتوي عليه من كنوز متنوعة في الأدعية والمناجاة.
ولنختم الكلام برواية تدل على انقطاع الإمام السجاد
أثناء صلاته: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ قَائِماً يُصَلِّي حَتَّى وَقَفَ اِبْنُهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ طِفْلٌ إِلَى بِئْرٍ فِي دَارِهِ بِالْمَدِينَةِ بَعِيدَةِ اَلْقَعْرِ فَسَقَطَ فِيهَا فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ فَصَرَخَتْ وَ أَقْبَلَتْ نَحْوَ اَلْبِئْرِ تَضْرِبُ بِنَفْسِهَا حِذَاءَ اَلْبِئْرِ وَ تَسْتَغِيثُ وَ تَقُولُ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ غَرِقَ وَلَدُكَ مُحَمَّدٌ وَ هُوَ لاَ يَنْثَنِي عَنْ صَلاَتِهِ وَ هُوَ يَسْمَعُ اِضْطِرَابَ اِبْنِهِ فِي قَعْرِ اَلْبِئْرِ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ قَالَتْ حُزْناً عَلَى وَلَدِهَا مَا أَقْسَى قُلُوبَكُمْ يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اَللَّهِ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ وَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إِلاَّ عَنْ كَمَالِهَا وَ إِتْمَامِهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا وَ جَلَسَ عَلَى أَرْجَاءِ اَلْبِئْرِ وَ مَدَّ يَدَهُ إِلَى قَعْرِهَا وَ كَانَتْ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِرِشَاءٍ طَوِيلٍ فَأَخْرَجَ اِبْنَهُ مُحَمَّداً عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى يَدَيْهِ يُنَاغِي وَ يَضْحَكُ لَمْ يَبْتَلَّ لَهُ ثَوْبٌ وَ لاَ جَسَدٌ بِالْمَاءِ فَقَالَ هَاكِ يَا ضَعِيفَةَ اَلْيَقِينِ بِاللَّهِ فَضَحِكَتْ لِسَلاَمَةِ وَلَدِهَا وَ بَكَتْ لِقَوْلِهِ يَا ضَعِيفَةَ اَلْيَقِينِ بِاللَّهِ فَقَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكِ اَلْيَوْمَ لَوْ عَلِمْتِ أَنِّي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ جَبَّارٍ لَوْ مِلْتُ بِوَجْهِي عَنْهُ لَمَالَ بِوَجْهِهِ عَنِّي أَ فَمَنْ يُرَى رَاحِماً بَعْدَهُ!
هذا الانقطاع والتذلل منه
مدعاة لنا نحن أتباعه أن نسير على نهجه، وإن كنا غير قادرين على ذلك، فلنعمل بما قال أمير المؤمنين
: «ألا إنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد».













