سند الأوطان
عندما تتجسد قيم المجتمع كاملة، بجميع فئاته، في استذكار من سبقونا، يصبح مجتمعًا متميزًا بفهمه للحياة العصرية، وبما تواكبه هذه البلاد المباركة، المملكة «الوطن الغالي»، بلاد الحرمين الشريفين، من تطور ونمو في شتى المجالات؛ كالتعليم، والصحة، والاقتصاد، والتنمية، وغيرها كثير، يتشكل فكرٌ عملي ناضج، يستند إلى الوفاء للماضي، ويواكب تطلعات الحاضر والمستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإن الأوائل من الرجال اتسموا بالصبر والجلد، يعملون دون كلل أو ملل، ويملكون سلامة في التفكير، ورؤيةً سديدةً في اتخاذ القرار، وبُعدَ نظرٍ في الدراسة والتخطيط. كانت أيديهم بيضاء، ومواقفهم الإنسانية والوطنية سُجلت بمداد من ذهب، فكانوا قدوة في الإخلاص والعمل والبذل.
ولقد تنوعت ميادين عطائهم؛ فمنهم من كان مستشارًا، ومنهم من كان وزيرًا أو عضوًا في مجلس الوزراء أو هيئة كبار العلماء، ومنهم من كان عضوًا في مجلس الشورى، ومنهم من تولى عمادة جامعة أو وكالة كلية، ومنهم من كان سفيرًا، أو رئيسًا أو مديرًا لإدارة حكومية أو منشأة، كما كان منهم العامل، والطبيب، والمهندس، والعسكري، والمعلم التربوي، ورجال التراث، والتاريخ، والثقافة، والأدب، والإعلام، وغيرهم. جميعهم عملوا، وأعطوا صورًا مشرقة عن هذه البلاد، وجدوا واجتهدوا وثابروا، ودرسوا وتعلموا، ونذروا أنفسهم وأوقفوا حياتهم في خدمة دينهم ثم وطنهم ومجتمعهم. وكانت لهم المكانة المرموقة، فالفرد منهم كان الرجل القيادي والإداري الناجح، الذي بفضل الله ثم بعمله نال ثقة ولاة الأمر «حفظهم الله»، ثم ثقة أفراد المجتمع في هذه البلاد المباركة.
وما تحقق من تلك النجاحات لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة العمل الدؤوب، وسرعة الإنجاز، وكثيرٍ من المواقف التي تستحق منا العناية والذكر الجميل، مع الشكر والتقدير والامتنان الكبير. فهي بالفعل تمثل لمحات من الذاكرة النبيلة، تحكي سير أعمال أصحابها الذين أوفوا وأخلصوا لله سبحانه وتعالى، ثم لقيادتهم ووطنهم ومجتمعهم، بكل مصداقية في العمل، وبكل أمانة وإخلاص.
ولذلك بقيت آثار تلك الذكريات خالدة، لا تمحوها السنين، فقد قدم هؤلاء الرجال الأوائل إنجازات عظيمة، ومثلوا وطنهم خير تمثيل في الداخل والخارج، وتشرفوا بالعمل الجاد، وكان من أبرز أدوارهم معالجة ما يطرأ من إشكالات وتعثرات صعبة، متحملين كامل المسؤولية الملقاة على عاتقهم، بروحٍ حية، وخلقٍ إنساني رفيع. كانوا خير من حمل الأمانة وخاف الله، حتى نالوا رضا الخالق عز وجل، ثم ثقة الآخرين وتقديرهم.
وأمام هذا الإرث الوطني الكبير، فإننا لا نستطيع حصر هؤلاء الرجال المخلصين الذين زخر بهم الوطن، في شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، بفضلٍ من الله، ثم بما توليه قيادة هذه الدولة الحكيمة حفظها الله من عناية وتوجيه. فهؤلاء الرموز الوطنية والإنسانية المتميزة، مهما حاولنا، فلن نستطيع الإحاطة بشخصياتهم، ولا بسيرهم، ولا بمواقفهم، ولا بإنجازاتهم العظيمة، بل سنقف عاجزين حتى عن تعداد أسمائهم. ومن بينهم كبار العلماء، والمفكرين، ورجال الدين الأفاضل، تلك النخب من ذوي الكفاءات والقدرات العالية، الذين غرسوا بذور العلم والمعرفة، وأرسوا قيم العطاء والإخلاص.
ولذلك، لا يسعنا إلا أن نترحم على من مضوا ورحلوا إلى جوار ربهم، وأن نسأل الله أن يطيل في أعمار الباقين، ويلبسهم لباس الصحة والعافية، وأن نرفع أكف الدعاء بأن يجزيهم خير الجزاء على ما قدموه لدينهم، ثم لوطنهم ومجتمعهم. فقد تمثلت جهودهم في التوعية، وزرع الثقة في النفوس والأذهان لدى جيلهم الأول، ثم امتد أثرها إلى الأجيال المعاصرة، سائلين الله أن يجعل ذلك معينًا ونافعًا لهم، ومصداقًا لقوله: «بأن العمل متى كان مخلصًا لوجه الله كان عظيمًا وسندًا للأوطان».













