آخر تحديث: 11 / 7 / 2026م - 7:09 م

ستٌّ بنات، ومات من واحدة

أمجد القواعين

ذهبت ذات ليلة - رطبة - عند أبو رمزي، وكما يحدث في كل زيارة لأبو رمزي، خرجت منها وأنا أحمل شيئًا لم أكن طالبًا إياه. الرجل لديه موهبة خاصة في أن يجعلك تدخل وأنت مطمئن لنفسك، ثم تخرج وأنت تتساءل عن كل قراراتك منذ الروضة. تحدثت معه عن موضوع كان يشغل بالي، وأنا أتكلم كنت واثقًا من نفسي تمامًا، لديّ الحجة، ولديّ المنطق، ولديّ ما يكفي من الكلام لأقنع به محكمة العدل الدولية. حين أنهيت حديثي، نظر إليّ بتلك النظرة، نظرة فيها تعاطف خفيف وصبر ظاهر، كأنه يقول بعينيه «سأقول لك شيئًا ستندم أنك ما سألت عنه قبل عشر سنوات».

ثم قال بهدوء تام:

«أعتقد يا سيد أن عندك مشكلة المركز».

توقفت. «مشكلة المركز؟» قلتها بنبرة من يحاول أن يبدو مطّلعًا - وهو مش من جنبها -، تلك النبرة التي يتقنها كل من سمع مصطلحًا لأول مرة في حياته ولا يريد أن يعترف.

«شوف»، قال، «الإنسان أحيانًا يتمركز حول نقطة واحدة في حياته. قد تكون أسرته فيجعلها الكون كله. أو دوامه فيعيش له ويهمل ما عداه. أو صديقًا، أو أحد أبنائه، أو حتى فكرة في رأسه ويعتقد أنها ستنقذ البشرية. المشكلة مش في الحب، المشكلة أنه يجعل من هذه النقطة الصمّام الوحيد الذي يضخ الهواء في رئتيه. يعني أنت المفترض تكون ولدًا لوالديك، وأبًا لأولادك، وزوجًا لزوجتك، وموظفًا في عملك، وعبدًا لربك. كل هذا في وقت واحد، لا نسخة واحدة منك تمشي وبقية النسخ مكدّسة في الخزانة تنتظر إذنًا للخروج».

سمعته وأنا أومئ بالرأس إيماءة - فاهم وموافق - بينما في داخلي شيء يفتش بسرعة عن مركزي ليخبئه قبل أن يكمل أبو رمزي حديثه.

ثم قال: «خليني أحكيلك قصة حصلت في إحدى دوراتي».

في إحدى الدورات، وبعد ما شرح أبو رمزي مفهوم المركز، رفعت إحدى المتدربات يدها وقالت: «يا مهندس، أنا أعرف شخصًا عاش هذا بالضبط». فطلب منها أن تكمل، وأنصت الجميع بذلك الصمت الذي يأتي حين تشم أن القصة ستكون ثقيلة.

قالت: هذا الرجل يعمل في وظيفة مرموقة، منجز، يُشار إليه بالبنان. وعنده ست بنات. ستٌّ بالعدد. لكنه أحب الواحدة السادسة منهن حبًا لا يشبه أي شيء طبيعي، أكثر من زوجته، أكثر من بناته الخمس، أكثر من وظيفته التي يفخر بها، أكثر من الحياة كلها. كأنه فتح صندوق قلبه، ووضع فيه هذه البنت وحدها، وأقفله، ورمى المفتاح.

ثم مرضت البنت.

وحين مرضت البنت، بدأ الرجل يتغير. لم يمرض هو جسديًا، لكن شيئًا فيه بدأ يتفكك ببطء. تأخّر عن الدوام. نسي الاجتماعات. انخفض إنتاجه حتى لاحظه من لم يكونوا يلاحظون أحدًا. الزملاء يتهامسون، المدراء يتساءلون، والرجل في مكان آخر تمامًا حتى وهو جالس في مكتبه.

ثم توفيت البنت.

وحين توفيت، لم يبقَ شيء يربطه. غاب عن العمل مرة ومرتين وعشرًا، حتى أُنهيت خدماته. ثم غاب عن الحياة كلها، ولحق بها.

أسدل أبو رمزي القصة بجملة واحدة بنفس الهدوء الذي بدأ به، كأن الهدوء نفسه جزء من الدرس: «حين تضع كل ثقلك على نقطة واحدة، لا تعرف أنك فعلت ذلك إلا حين تسقط تلك النقطة وتسقط أنت معها».

خرجت من عنده وأنا أحمل الكلمة كحجر في جيبي. - وقبل أن أطلب لي شاورما - بدأت أفتش في حياتي: أين مركزي؟ وماذا سيبقى مني لو اهتز؟ ولم تكن الإجابة سريعة، وهذا على الأرجح هو الجزء الأكثر إزعاجًا.

والمضحك أنني لست الوحيد، بل لألقي اللوم على غيري وأقول إنني أرى أن الجميع يفعل هذا بكل طوعية وفخر ودون أي خجل إعلامي. «أولادي حياتي»، «شغلي هو كل شيء»، «هذا الصديق اللي يفهمني بنظرة». جمل تُقال في المجالس يرتعد بها الصوت من العاطفة ويصفق الحاضرون، لكنها في جوهرها إعلان بأننا وضعنا كل البيض في سلة واحدة، علّقنا السلة على مسمار واحد، في جدار واحد، ثم ذهبنا ننام وكأن المسمار وقّع معنا عقد ضمان ضد الرياح.

وحين تهب الريح، كما تهب دائمًا لأن هذا ما تفعله الرياح بلا استئذان ولا مراعاة للتوقيت، لا نفهم لماذا ينهار كل شيء دفعة واحدة. نتساءل بحيرة كيف إنسانًا بهذه القوة ينكسر من خسارة واحدة. والجواب البسيط المؤلم أنه لم يكن قويًا، كان معتمدًا.

الحل ليس أن تحب أقل، فهذا هروب بارد نحو عزلة عاطفية لا يُحسد عليها أحد. بل أن تحب بشكل أوسع وتوزع: ابنك مركز، وزوجتك مركز، ووالداك مركز، وعملك مركز، وصحتك مركز، ومشروعك مركز، وربك فوق كل مركز. وحين تنهار نقطة، تجد تحتك نقاطًا أخرى تحملك حتى تعيد البناء.

خرجت من عند أبو رمزي يومها ولم أجد إجابة سريعة لسؤاله. لكني قررت على الأقل أن أبدأ بسؤال أصعب من «ماذا أحب؟» وهو: «ماذا سيبقى مني لو أُخذ ما أحب؟»

وإن كانت الإجابة «لا شيء»، فهذا يعني أن الوقت حان لأبني طابقًا ثانيًا، قبل أن تهب الريح وأكتشف أني طوال هذا الوقت كنت أسكن القبو وأسميه - قصرًا -.