حين اطمأنت النفس «1»
الإمام السجاد معراج الروح إلى الله تعالى:
يمثّل نهج وعطاء الإمام السجاد
مدرسة متكاملة في بناء شخصية الإنسان وتنمية جوانبها في مختلف الميادين والجهات المعرفية والروحية والاجتماعية والأخلاقية، فسيرته الشريفة تستحق أكثر من ترداد القراءة والتمعّن فيها، إنها كتاب الحياة يضم بين طياته الدروس التي يستلهمها الإنسان ويتسلّح بها في مواجهة المكر الشيطاني وأهواء النفس الأمارة بالسوء، فهو
في مضامين كلماته وحِكمه النيّرة يحرّك مدركاتنا العقلية نحو النضج العقلي والرشد وفهم أحداث الحياة وكيفية التعاطي معها باقتدار، فإننا نقف بين يدي شخصية عظيمة استطاعت أن تحوّل المحنة والشدة إلى فرصة توظّفها في حقل المعرفة والتبليغ، وهذه سلسلة مواقفه وحواراته ومنطقه يشهد له بالموافاة في أمانة الكلمة وصدقها وقيمتها الحقيقية، قد بلورها بالصدق والنبع من القلب السليم فاستطاعت أن تستقر في العقول والقلوب المنصفة.
كما أنه
في النهج العبادي المأثور عنه استطاع تجلية وإبراز الأسرار والأهداف العالية من تلك العبادات؛ لتتحوّل إلى ميدان تربية وتهذيب النفس البشرية من أغلال الغرائز والنزوات والانفعالات المتفلّتة، فالإنسان العابد في مفهوم المدرسة السجادية تضع العبادات بصمتها وتأثيرها في منطق وسلوك المؤمن، بما يرتقي به في معالم تكامل النفس والظفر بلباس التقوى والفضيلة والاستقامة، كما أن تلك العبادات تحمل في قمة الهرم من غاياتها اكتساب الوعي والفهم بحقائق الأمور وخفايا النفس البشرية والاستعداد ليوم الحساب وتكوين الرصيد الأخروي من الأعمال الصالحة والزاد المعرفي.
كما أن نهجه العملي في ميادين الحياة بمواجهة الأزمات والمحن والظروف الحياتية الصعبة لم يكن مجرّد مواقف آنية تنفصل عن البناء المتكامل للنفس البشرية، بل يتجلّى في كل جوانب الحياة النّفَس الطويل والقدرة على تحمّل المتاعب والصعاب والصبر على الآلام والهموم، إنه مشروع حضاري في بناء الفرد القوي والمجتمع المتماسك والمثمر في نتاجه وعجلة النمو والازدهار فيه، فإن آفة العمل وعامل الهدم للقدرات والطاقات والإمكانيات الإنسانية هو ضعف الإرادة والهمة المتهاوية والتي تتجه به نحو اليأس والنظرة التشاؤمية، بينما يرشدنا الإمام السجاد
إلى أن الإنسان المؤمن مقتدر في مواجهة مختلف الظروف والأزمات، ويبرز منه روح التحدي والمواجهة والتكيف مع الصعاب والبحث عن الحلول الممكنة للخروج من أي عثرة أو مشكلة تصادفه، وهنا تتجلّى عظمة التربية الإلهية التي أشاد بها القرآن الكريم في حركة وحياة الأنبياء
والصالحين في ميدان التبليغ ومواجهة الجحود والعدوان من أقوامهم، دون أن تُمسّ هممهم العالية في الإرشاد والتوجيه وإصلاح النفوس مهما بلغت ذروة الإعراض والتآمر، فالابتلاء لا يكسر مجاديف المؤمن مهما بلغت سقوف أمواجه العاتية في حركتها، بل الابتلاء حكمة ربانية ومحطة اختبار تأتي له بخيرات الوعي والخبرات والاقتدار المستقبلي بعد استلهام الدروس والعِبَر؛ لأن الابتلاء عند أولياء الله تعالى ليس نهاية الطريق ولا خِتام سيرة وإنما هو بداية طريق الارتقاء والتكامل.













