آخر تحديث: 11 / 7 / 2026م - 7:09 م

هل الدين.. مجرد طقوس؟!

أمير بوخمسين

جميع الأديان مرتبطة بمناسك وطقوس عبادية يؤديها معتنقوها طواعية، سواء بقناعة أو من دونها، وقد يكون بسبب توارثها جيلًا بعد جيل، وتحوّلها إلى عادات اجتماعية تم توارثها عن الآباء وتوارثتها الأجيال.

موضوعنا ليس عن المناسك أو الطقوس، وإنما عن التزام هؤلاء التابعين لهذه الديانة أو تلك بالطقوس والحرص على تأديتها على أكمل وجه، ومدى تأثير هذا الالتزام على السلوك الفردي والاجتماعي.

المجتمعات الملتزمة بدين ما تؤدي هذه المناسك والطقوس بعناية، وتبذل الغالي والنفيس في سبيل تأدية هذه الطقوس، حتى تُرضي الرب الذي تعبده، وإن كانت على حساب أوقاتها وصحتها ورزقها، وهذا أمر حسن، ومطلوب، وإلا تحوّلت هذه المجتمعات إلى حالة من الفوضى وغابة لا نظم فيها.

إلا أن ما نراه في الواقع الاجتماعي وانعكاس هذه الطقوس على الحالة الفردية والاجتماعية في المعاملات والجانب الأخلاقي بين أبناء المجتمع ليس بالمستوى المطلوب والمتّوقع؛ فعندما تتحول هذه الطقوس إلى ممارسات روتينية، يتم تأديتها باسم الواجب من دون التأثير المعنوي والعملي على الإنسان سواء في معاملاته أو سلوكه.

ففي مجتمعاتنا العربية الإسلامية بشكل عام وفي بعضها بشكل خاص، نرى الحضور الديني الطاغي والمكثف.. من رفع الأذان في أوقات الصلاة، وانتشار المساجد بكثرة، وإلقاء الخطب بانتظام، والتعليم الديني الإلزامي في المدارس؛ مع ذلك فإنك تجد نفسك مضطرًا إلى أن تتحسس جيوبك بين حين وآخر، ومراجعة كل فاتورة، والتفاوض في كل شراء، خشية الغش أو التلاعب أو الاستغلال؛ فصاحب التاكسي الذي تسمع تلاوة القرآن من خلال مذياع سيارته لا يتورّع عن مضاعفة الأجرة، وصاحب المطعم الذي يضع آية قرآنية على الجدار قد يتطاول عليك بالسباب إن لم تدفع ”البقشيش“ بعد أن حاول تزيين حديثه بالكلام المعسول، والمقترض الذي عليه حقوق للآخرين يماطل في ردّها لهم، ومدبّرة المنزل التي يظهر عليها كل مظاهر التدين شكلًا وقولًا لن يمنعها تدينها من سرقة ما يمكنها سرقته. وهي أسئلة ليست جديدة طرحها العديد من المفكرين بأشكال مختلفة في فلسفة الأديان والأخلاق وعلم الاجتماع الديني.. لماذا لا ينعكس التديّن الظاهري في مجتمعاتنا على السلوك الأخلاقي؟ لماذا لا تُنتج كثافة الشعائر تحولًا في الضمير؟ هل الخلل يكمن في البنية الفكرية التي نُلقّن بها الدين؟

رغم أنَّ العلوم الدينية باتت أكثر انتشارًا من أي وقت مضى، بفضل وسائل الإعلام الحديثة، والمنصات الإلكترونية، وسهولة الوصول إلى الفتاوى والعلماء والهيئات الدينية المختلفة؛ إلا أنه، ومع هذا التوفّر الكبير للمعرفة الدينية، يُلاحظ كثير من الناس وجود حالة من التباعد بين بعض الأفراد وجوهر الدين وقيمه الحقيقية، حتى أصبحت بعض العبادات تمارس بوصفها عادات اجتماعية متوارثة أكثر من كونها عقائد راسخة وسلوكًا نابعًا من الإيمان واليقين.

إن العبادة في مفهومها الصحيح إنما هي علاقة روحية وأخلاقية تربط الإنسان بربه، وتنعكس آثارها على سلوكه ومعاملاته. وعندما تتحول العبادة إلى عادة خالية من التدبر والخشوع، يفقد الفرد جزءًا كبيرًا من أثرها التربوي، فتضعف مراقبته لله، ويقل التزامه بالقيم التي يدعو إليها الدين من صدق وأمانة ورحمة وعدل. وهذا ما تؤكد عليه رواية الإمام علي ”أفضل العبادة غلبة العادة“؛ أي حينما يتم تفريغ العبادة من محتواها وتصبح مجرد عادة عندها يتم النفور من الدين.

ويؤدي هذا التحول إلى وجود فجوة بين الممارسة الظاهرة والسلوك الفعلي. فقد يحرص الإنسان على أداء بعض الشعائر الدينية، لكنه لا يترجم معانيها إلى واقع في حياته اليومية، مما ينعكس على أخلاقه وعلاقاته مع الآخرين. كما أن ضعف الوعي بالمقاصد الحقيقية للعبادات يجعلها أقل تأثيرًا في تهذيب النفس وتقوية الإرادة ومواجهة التحديات.

فكلما أدرك الإنسان مقاصد العبادات ومعانيها العميقة، ازدادت قدرتها على إصلاح الفرد وبناء مجتمع أكثر استقامة وتماسكًا منذ الطفولة، حيث يُطلب من الطفل المسلم أن يحفظ أركان الإسلام الخمسة.. الشهادتين، الصلاة، الزكاة، الصيام رُوِي عن النبي ﷺ قوله: ”كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ“. وعن الحج يقول الإمام محمد الباقر ”ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج“، وهذه جميعها شعائر طقوسية، يقابلها أركان الإيمان الستة.. الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهي جميعها تصديقات قلبية لمعتقدات ما ورائية.

فالدين عندما يفهم فهمًا صحيحًا يسهم في بناء مجتمع متماسك تسوده الثقة والاحترام المتبادل، بينما يؤدي الاكتفاء بالمظاهر الدينية دون استحضار معانيها إلى انتشار بعض السلوكيات السلبية والتناقض بين الأقوال والأفعال. والإنسان هو الإنسان في كل مكان، إنه نتاج بنية فكرية ترسّخها المؤسسات التعليمية والدينية عبر الموروث الديني والفهم التقليدي له.