آخر تحديث: 11 / 7 / 2026م - 7:09 م

رَحِمَهُ الله

هاشم الصاخن *

رحمه الله، كان نعم الإنسان، الله يذكره بالخير، رحل سريعًا، كلماتٌ لا تُقال مجاملة، ولا تُشترى بالمال، وإنما ينالها من ترك في قلوب الناس أثرًا طيبًا وسيرةً حسنة. فبعد أن يرحل الإنسان، لا يبقى منه إلا عمله، وما اختزنته ذاكرة الناس عنه من مواقف وكلمات وأخلاق.

ولا أظن أن إنسانًا عاقلًا يتعمد أن يشوّه سمعته أو يُسقط مكانته بين الناس، فالفطرة السليمة تدفعه إلى كسب الاحترام وحسن الذكر. لكن بين ما يتمناه لنفسه، وما تعكسه تصرفاته، قد تكون هناك فجوة لا يشعر بها.

ولو سأل كل واحدٍ منا نفسه: كيف يتعامل الناس معي؟ هل يأنسون بقربي أم يتمنون انتهاء لقائي؟ هل يخرجون من عندي مرتاحين أم مثقلين بالكلمات الجارحة؟ لربما اكتشف أشياء لم يكن يلتفت إليها من قبل.

لسنا هنا نتحدث عن الإنسان الذي يغضب في موقف عابر، أو يخطئ ثم يعتذر، فذلك أمرٌ يقع من الجميع. وإنما نتحدث عن شخص أصبح سوء الخلق جزءًا من شخصيته، فلا يكاد يمر يوم إلا وقد آذى أحدًا بكلمة، أو أهان عاملًا، أو جرح قريبًا، أو تعامل بغلظة مع موظف، أو أدخل أجواءً من التوتر في أي مكان يوجد فيه، حتى أصبحت الابتسامة عنده استثناء، والعبوس هو الأصل.

والأعجب من ذلك أنك قد ترى هذا الإنسان بصورةٍ أخرى. تراه لطيفًا، هادئًا، يبتسم، ويحسن الحديث، ثم لا يلبث أن يتحول بعد دقائق إلى شخص ضيق الصدر، قاسي العبارة، سريع الانفعال، حتى ليخيّل لمن يراه أنه أمام شخصين لا شخص واحد.

وسبحان الله... كيف يستطيع بعض الناس أن ينتقلوا خلال لحظات من اللين إلى القسوة، ومن البشاشة إلى العبوس، ومن الكلمة الطيبة إلى العبارة الجارحة؟ إنها قدرة غريبة على تبديل الوجوه، حتى أصبح بعض الناس يعيش أكثر من شخصية بحسب المكان أو الأشخاص الذين أمامه.

وأتذكر أيام عملي في البنك، فقد كان يراجعنا يوميًا عشراتٌ من الأشخاص. منهم من كان حضوره يبعث الراحة في النفوس، بابتسامته واحترامه وأدبه، حتى إذا غادر بقي أثره الجميل في القلوب. وفي المقابل، كنا نرى من يدخل وكأن العالم كله قد أخطأ في حقه؛ لا يكاد يسمع منه الموظف إلا التذمر، ولا يرى منه المراجعون إلا العبوس وسوء التعامل. والغريب أن بعض هؤلاء إذا خرج من المكان وجدته في مناسبة اجتماعية أو في المسجد شخصًا مختلفًا تمامًا.

وليس الأمر مقتصرًا على المراجعين، بل قد نرى الصورة مع بعض الموظفين أنفسهم. فكم من موظف يستقبل الناس عبر الهاتف أو عند شباك الخدمة وكأن المراجع جاء يطالبه بإرثٍ بينهما، فتخرج الكلمات بحدّة، وتُؤدّى الخدمة بتضجر، ويشعر المراجع وكأنه ارتكب خطأً بمجرد طلب حقه أو الاستفسار عن معاملة. ثم ينتهي دوام هذا الموظف، فإذا به خارج مقر عمله شخصًا آخر تمامًا؛ بشوشًا، لطيفًا، حسن الحديث، وربما رأيته في المجتمع أو في المسجد من أكثر الناس ابتسامةً وأدبًا، حتى تكاد تظن أنك أمام توأمٍ يشبهه في الملامح فقط، لا في الأخلاق.

وهنا يبرز السؤال: لماذا لا يعيش الإنسان بوجه واحد؟ لماذا ينجح في ضبط أعصابه مع أناس، ويعجز عن ذلك مع آخرين؟ ولماذا يمنح بعض الناس أجمل أخلاقه، بينما يبخل بها على أقرب الناس إليه؟

وإذا كان الإنسان قادرًا على أن يكون حسن الخلق خارج مقر عمله، فلماذا لا يكون كذلك داخله؟ ولماذا يعيش بعض الناس أكثر من شخصية في اليوم الواحد؟ ولماذا لا يعيش الإنسان بطبيعته التي يحب أن يراه الناس بها؟ فالأب أولى بحسن خلقه داخل بيته قبل خارجه، والزوجة أولى بأن تحسن معاشرة أقرب الناس إليها قبل غيرهم، والموظف أولى أن يحترم من جاء يطلب خدمة هي جزء من مسؤوليته، كما يحترم من يلتقيهم بعد انتهاء دوامه. فالخلق لا ينبغي أن يتغير بتغير المكان، ولا أن يتبدل بتبدل الأشخاص، لأن الإنسان في نهاية الأمر لا يعيش عدة شخصيات، وإنما يعيش حياةً واحدة، وستبقى صورته التي رسمها بنفسه في ذاكرة الناس.

قد تختلف الأسباب من شخص إلى آخر، لكن النتيجة واحدة؛ فالناس لا تحفظ عدد ابتساماتك المتصنعة، وإنما تحفظ طريقة تعاملك معها. وقد تنسى كلماتك الجميلة، لكنها لا تنسى كلمة جارحة خرجت منك في لحظة غرور أو غضب أو استعلاء. والإنسان قد يظن أن الناس نسيت، بينما تبقى تلك المواقف ساكنة في ذاكرتهم سنوات طويلة، وقد تكون سببًا في تكوين صورة لا تفارقه حتى بعد رحيله.

إن حسن الخلق لا يحتاج إلى منصب ولا إلى مال، وإنما يحتاج إلى نفسٍ صادقة تثبت على مبادئها. فصاحب الخلق الحقيقي لا يبدّل شخصيته بتبدل المكان أو الأشخاص.

وحين يرحل الإنسان، لن يستطيع أن يختار الكلمات التي ستقال عنه، فقد انتهى عمله، وبقي أثره. فإن عاش بوجهٍ واحد، ولسانٍ طيب، وقلبٍ يتسع للناس، فالغالب أن تتردد بعد رحيله كلماتٌ صادقة مثل: رحمه الله، كان نعم الإنسان، رحل سريعًا. أما إذا اعتاد أن يترك خلفه الأذى والخصومات وسوء المعشر، فقد لا يجد الناس ما يذكرونه به من جميل الأثر، فيكتفي بعضهم بقول: اذكروا محاسن موتاكم. وهي دعوة إلى ترك ذكر المساوئ وصون حرمة الميت، لا إلى اختلاق محاسن لم تكن فيه، ولا إلى تحويل سيرته بعد وفاته إلى سيرةٍ لم يعشها. فحسن الذكر لا يُصنع بعد الرحيل، وإنما يُبنى في الحياة.

سيهات