آخر تحديث: 21 / 7 / 2026م - 2:10 ص

الكيان الأرجنتيني الغاشم

سراج علي أبو السعود *

كثيرٌ من أبناء الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة يتفانون هذه الأيام في تسقيط المنتخب الأرجنتيني، وصيف المونديال، بعد خسارته في الأشواط الإضافية أمام المنتخب الإسباني، بعد طرد أحد لاعبيه. ولأنَّ للأمة العربية أسبابها الراسخة في كل موقف، فقد تعددت المبررات التي سيقت لإعلان العداء للأرجنتين. ففريقٌ يجزم بأنهم يقفون مع الكيان الصهيوني في عدوانه على أهلنا في غزة، وآخر يستنكر أنهم يشربون الخمور التي حرَّمها الله، وثالث يرى أن نساءهم لا يلتزمن بالاحتشام كما ينبغي، بينما يؤكد غيرهم أنهم شعب عنصري وعدائي تجاه بقية الأمم. وبناءً على هذه الحيثيات الجليلة، يصبح من الواجب - في نظر هؤلاء - إعلان القطيعة مع الكيان الأرجنتيني ممثلًا في لاعبيه، وإظهار مشاعر الكراهية تجاهه، وتشجيع كل منتخب يواجهه؛ إذ لا يليق بالإنسان، في هذا المنطق، أن يهادن الباطل أو يقف على الحياد، حتى وإن كان الأمر لا يعدو كونه مباراة لكرة القدم.

من المعلوم أنَّ لاعبي المنتخب الإسباني، وإخوانه من بقية المنتخبات الأوروبية وسائر منتخبات العالم، يمتاز أكثرهم بالإيمان والتقوى، حتى لتخال جباههم قد ازدانت بآثار السجود، لا تكاد تخلو من خدوش الخشوع. وإذا صرفت طرفك إلى المدرجات رأيت نساءهم متلفعات بالسواد، لا يبدو منهن إلا شيء يسير من الأكف اضطرارًا، كأنما مزق الزمن أطراف القفازات. فإذا ارتفع النداء للصلاة قاموا زرافاتٍ إلى ذكر الله، لا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى ليحسبهم الناظر ملائكةً تمشي على الأرض في هيئة بشر. ومن أطرف ما يُروى أن أحد مشجعي إحدى دول أمريكا اللاتينية، المشهورة بالورع والتقوى، اشترى يومًا بطل ماء شعير من السيد رودريغو، ثم اكتشف - بعد فوات الأوان - أنها تحتوي على نسبة ضئيلة من الكحول، فما زال يلوم نفسه، ويستغفر ربه، ويعيش في ألمٍ وحسرة، حتى مات - رحمه الله - منكسر القلب، يردد: «ليتني تحريت قبل أن أشتري!». وهكذا هي منتخبات العالم وجماهيرها؛ مضاربُ للأتقياء، ومواطنُ للصالحين، لا يُرى فيها إلا الزهد والورع والاستقامة... أما الكيان الأرجنتيني، فهو - وحده دون سائر خلق الله - الذي لا يلتزم بحدود ما أنزل الله، ولذلك استحق أن تُشهر في وجهه كل أسلحة المقاطعة الكروية، وأن يُشجَّع عليه كل من يلاقيه، حتى يُقام ميزان العدل في ملاعب كرة القدم!

لقد انتشرت الأفراح في كل مكان بعد هزيمة الكيان الأرجنتيني الغاشم، وما ذلك إلا برهانٌ ساطع على أن أمتنا - بحمد الله - ما زالت بخير، وأنها لا تأخذها في الحق لومة لائم. فقد رأيناها تتفانى في تسقيط الأرجنتين، وتستقصي كل مثلبة فيها، وتلصق بها كل أوصاف السوء، وتملأ الفضاء بآلاف المقاطع الساخرة والمهينة، إيمانًا منها بأن أهل الباطل لا تجوز موالاتهم ولا تشجيعهم. أما بقية أمم الأرض، فلا يكاد يُرى فيهم إلا الصالحون القانتون؛ شعوبٌ لا تعرف إلا الفضيلة، ولا تقع في معصية، ولا تظلم أحدًا، ولا تشرب محرمًا، ولا تؤذي ضعيفًا، ولا تنحاز إلى باطل، ولذلك استحقت جميعها تشجيعنا ومحبتنا، ولم يبق في هذا العالم المترامي الأطراف إلا بقعةٌ واحدة تجسدت فيها الرذائل كلها، وتمثلت في منتخبٍ واحد، هو الكيان الأرجنتيني الغاشم. وهكذا، فقد اطمأن القلب، واستراح الضمير، وعلمنا أن معركتنا الأخلاقية الكبرى قد أُنجزت بنجاح؛ فما دام المنتخب الأرجنتيني قد هُزم، فقد انتصر الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.