الفصل الثاني
دخان وراء بيوت العشيش «2»
عندما خلا المكان بشكل مفاجئ، التفت المسكين إلى ”الكبوس“ قائلاً له بأسلوب الناصح:
”اذهب وخبئ أبناءك يا كبوس... هذا اليوم فأله منحوس.“
كانت علامات البؤس تكبر على وجهه، وتابع طلبه بأسلوب يكتنفه الترجي:
”لا تذهب بعيدًا، فربما الناس تحتاج إلى شجاعتك، وشجاعة كل أبناء البلد الطيبين.“
ابتسم ”الكبوس“ وهز رأسه بالموافقة، من دون أن يقول كلمة واحدة. ومضى قافلاً في طريق العودة إلى منزله.
فاختار الأزقة المسقوفة بجذوع النخل، وهي الأقصر من جهة الغرب، والتي يفضي نهايتها إلى بيوت البدو. تلك البيوت المبنية من سعف النخيل والصفيح، مع أساسات جبسية بسيطة في بعضها.
مع مرور ”الكبوس“ وأبنائه في هذه الأزقة، سبب لطفليه بعض الضيق من روائح الأدخنة التي تتسلل مع تيار الهواء الغربي.
وعند اقترابهم من الأزقة الترابية المكشوفة، لاحظوا دخانًا أسود كثيفًا يتصاعد من جهة قريبة منهم.
بدأت رائحته كاحتراق سعف نخل يابس، شدتها تخنق الأنفاس، وتنتشر في الأزقة الضيقة المحيطة بمنطقة تواجدهم بشكل كبير. وتزداد قوتها كلما اقتربوا أكثر باتجاه بيوت العشيش، حتى باتت علامات الدخان واضحة بكثافتها عند مفترق حسينية ”المعلم“.
حينها اطمأن ”الكبوس“، لأن الرائحة لم تأتِ من كوخ الفقيرة ”أم جابر“ ولا من أكواخ الفقراء المجاورين كما كان يخمن.
ولكن، وعند انعطافه صوب مدخل ”الخرابة المهجورة“، لاحظ الأدخنة تملأ الزقاق، وتحيله إلى عتمة شبيهة بيوم شديد الضباب.
وهاله مع طفليه منظر ركض الصبية والفتيات بأعداد غفيرة، وهم يتصايحون بأصوات مشحونة بالخوف والرهبة:
”حريق شب في بيت البدوية... صيكة!“
حتى كاد ولداه أن يفلتا من قبضة يديه لينضما إلى ركب المنفلتين، ولكن قبضته القوية حالت دون ذلك.
وهو ممسكًا بيديهما، رأى ابنه الأكبر علي حماسة في عيني والده، لم يألف مثلها من قبل. نظرات يطل بها على كل من يتحرك، كأنه متوثب للقفز، أو كالصقر يلمح السماء من خلال فرجة الدهاليز المفتوحة.
فسأله بصوت وجل: ”ماذا نفعل الآن يا والدي؟“
نظر ”الكبوس“ إلى أبنائه، وبالتحديد إلى ابنه الأكبر علي، وقال:
”النار إذا نشبت، فعلينا إخمادها وهي لا تزال في بداياتها. أما إذا تُركت تشتعل، فنيرانها ستأتي على كل البيوت، وشرارها سوف يصل ربما إلى مناطق أبعد. الأمر يحتاج كما أرى إلى موجه، فأنا من سيمسك بهذا الأمر يا بني.“
قال علي: ”وماذا عنا، أنا وأخي قاسم؟“
فأجابه: ”سوف أعطيك قيادة أخيك. أنا أثق فيك، هكذا ربيتك يا بني.“
بينما كان ”الكبوس“ بصدد حسم الأمور، صاح أحدهم بصوت هستيري مرتفع:
”احترق كامل بيت البدوية المسكينة! حتى أن الرجال لم يستطيعوا السيطرة عليه.“
قالت إحدى النسوة وهي تجر خلفها طفلتها الصغيرة بهمة ومشقة، وبصوت مبحوح:
”الخوف يا أجاويد أن ينتقل الحريق إلى البيوت المجاورة! هناك بيت والدتي الضريرة.“
وهي تردد أدعية بصوت متقطع، ومناجاة مبحوحة: ”عفوك يا كريم، يا حافظ الأنفس يا عليم.“
ازداد عدد الرجال المندفعين بأوعيتهم. شمروا عن سواعدهم الصلبة، مرتدين الأُزر أو السراويل، وظل البعض في ثيابهم المحلية، متحزمين بحبال أو بشريط من القطن القوي.
ولكنهم ظلوا في ذهول، وبدون تنظيم. فحالة الإرباك كانت واضحة على تصرفاتهم. البعض منهم خارت قواه، وارتكن قابعًا على مفترقات الأزقة. وآخرون اغرورقت عيونهم بالدموع، وأصابتهم حالة العجز والحيرة.
ازدادت رائحة الأدخنة وبدأت تنتشر، وبالتحديد من جهة منزلهم الكبير الذي يسكنه مع عائلته الكبيرة. ولكن لا شيء معلوم لديه بعد.
أمسك ”أبو علي“ - ”الكبوس“ - أولاده، وحذرهم من الضياع، وطلب منهما البقاء بعيدًا عن مصدر الحريق. فقد ازداد عدد الناس المسرعة، وكأن سكنة الحي بأكمله يتجه إلى مكان غير معلوم. والبعض القليل منهم يركض مسرعًا نحو هدف محدد: إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أوقف أحدهم من معارفه، وكان يلهث مستعجلاً، وسأله عن مصدر الحريق.
فأخبره على الفور دون أن يضيع وقته:
"حريق في بيت صيكة البدوية أم حمد. تركت قدر الغداء على موقد الحجر، وكان بجانب الموقد خرقة. امتدت ألسنة النار إليها، ومنها امتدت النيران إلى السعف، حتى أت على بيتها.
ولم تكتفِ النيران عند بيتها، بل راحت تلتهم الأعشاش التي بجوارها.
وقبل أن يقول له أسرع يا كبوس، الشباب يسألون عنك، بادره بالسؤال: ”هل فريق الحمالين والبحارة متواجد مع الناس؟ وهل نشامى حي“ الوارش ”وطباخين“ القدور " وعمال أرامكو يتصدرون مواجهة الحريق؟
قال له كل الذين ذكرتهم موجودين، ولكن بدون ادارة! وحدد له موقع تواجدهم، بعدها غاب في زحمة الناس، بينما الكبوس مع أبنائه يواصلون طريقهم بين البيوت الضيقة، والخرائب المهجورة.
حلقت ألسنة اللهب بعيدًا، تمد ألسنتها حيث استطاعت، حتى وصلت إلى عدد من بيوت العشيش.
أدرك ”الكبوس“ بحسه وخبرته العملية، وبعد أن تبين له ما حصل، أن عليه المبادرة بعمل شيء ما، وإلا سيقع ما لا يحمد عقباه.
فعليه أن يتدارك الأمر بشكل سريع. فالخوف أن تصل النيران المحمومة إلى بقية بيوت الفقراء.
ويتعاظم الخوف عندما تمتد ألسنتها وتصل إلى الجهة الجنوبية لمسجد السدرة، وهو أمر لايمكن أن يتقبله ضمير المؤمنين، فمنه ينطلق صوت المؤذن الدبيسي الخاشع في جميع أرجاء المنطقة المحيطة. غير ذلك، أن وصلت النيران إلى هذا الجانب من حي السدرة، حينها سوف يُفتح المجال نحو المنازل والبيوت الكبيرة.
فتحل الكارثة، لأنها ستنتقل سريعًا إلى كل المنازل، ولن تتوقف حتى تقضي على كامل بيوت القلعة.
رسم الكبوس خطة تقريبية في رأسه لإدارة هذا الحريق الضخم، وأعاد في مخيلته كل حوادث الحريق التي شارك فيها، وراجع معلوماته، ومرت عليه صور الاشخاص المفترضين لمشاركته ادارة هذه الكارثة الكبيرة، ولو إنه لم يستطع تحديد حجمها بعد، ولم يلمس مدى إنتشارها وقوة تأثيرها، ولكنها ستكون عظيمة، ومهولة إذا أستمرت، وتنقلت من حي إلى آخر.
لم تمهله أفكاره طويلا، فقد ازداد فزع الناس، وزاد عويلهم، الكل يصرخ ”أنقذونا يا أجاويد“، وهو في ذهوله الذي ما زال يكبر، سمع من مأذنة المسجد، نداء وجهه الحاج الدبيسي، ”يا مؤمنين، كل من يستطيع الإنقاذ عليه أن يفعل شيئا“ النيران في كل مكان، الناس ماتت والأرزاق صارت تحت الرماد. كان النداء متواصلا
- نهاية الفصل الثاني -













