التفكر في فكر الإمام الحسن المجتبى (ع)
يمتاز الإسلام بأنه لا يكتفي بدعوة الإنسان إلى الإيمان، بل يدعوه إلى أن يكون إيمانه قائمًا على الوعي والبصيرة والتأمل. فالقرآن الكريم لا يخاطب الحواس وحدها، وإنما يخاطب العقل والقلب معًا، ويكرر الدعوة إلى التفكر والتدبر والنظر والاعتبار، حتى أصبحت هذه المفاهيم من أبرز سمات الشخصية المؤمنة.
وقد سار أهل البيت
على هذا المنهج القرآني، فكانوا يربون الناس على التفكير قبل التقليد، وعلى البصيرة قبل الحركة، وعلى المعرفة قبل العمل. ومن أروع ما ورد في ذلك كلمات الإمام الحسن المجتبى
، التي جعل فيها التفكر أساسًا لإحياء القلب، ومفتاحًا للحكمة، وأصلًا لكل خير، وطريقًا إلى معرفة الله تعالى.
وقد رويت عنه
ثلاث كلمات قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، ترسم منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان المؤمن.
قال الإمام الحسن
:
««عليكُم بالفكرِ فإنّهُ حياةُ قلبِ البصيرِ ومفاتيح أبوابِ الحكمةِ.» [1]
يفتتح الإمام كلامه بصيغة الأمر: «عليكم بالفكر»، وهي صيغة تدل على الحث والالتزام، وكأنه يقول إن التفكر ليس أمرًا ثانويًا، وإنما هو زاد يومي لا يستغني عنه المؤمن.
ولم يقل الإمام: ”إن الفكر ينفع“، بل قال: «إنه حياة قلب البصير.»
وهذه من أبلغ التعابير، فالجسد قد يكون حيًا بينما القلب ميت، كما قال تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [2]
فالآية لا تتحدث عن موت الجسد، وإنما عن موت القلب بالجهل والغفلة، ثم إحيائه بالإيمان والهداية.
وهكذا يبين الإمام أن القلب لا يحيا بمجرد النبض، وإنما يحيا بالتفكر.
فالإنسان الذي يعيش دون تأمل يشبه من يسير في طريق طويل وهو مغمض العينين، أما المفكر فإنه يرى الغايات قبل أن يخطو إليها.
القلب البصير:
لم يقل الإمام: ”حياة القلب“، بل قال: «حياة قلب البصير.»
لأن البصر غير البصيرة، فقد يرى الإنسان الأشياء بعينيه، لكنه يعجز عن إدراك حقيقتها، وقد يسمع الكلام، لكنه لا يفهم مقاصده، وقد يقرأ القرآن، لكنه لا يتدبر آياته.
ولهذا قال تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [3]
إن البصيرة ثمرة من ثمار التفكر، لأنها تمنح الإنسان القدرة على قراءة الحياة بوعي، وتمييز الحق من الباطل، والخير من الشر.
يقول الإمام: «ومفاتيح أبواب الحكمة.»
اختار الإمام لفظ المفاتيح، ولم يقل ”مفتاحًا“، إشارة إلى أن للحكمة أبوابًا كثيرة، وكل باب منها يحتاج إلى تفكر.
فالتفكر في القرآن يفتح باب الحكمة.، والتفكر في النفس يفتح باب الإصلاح، والتفكر في نعم الله يفتح باب الشكر، والتفكر في الموت يفتح باب الزهد، والتفكر في أحوال الناس يفتح باب الرحمة، والتفكر في التاريخ يفتح باب الاعتبار.
ولهذا نجد أن القرآن الكريم يربط بين التفكر والحكمة في مواضع كثيرة، لأن الحكمة ليست كثرة المعلومات، وإنما حسن توظيفها.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [4]
فالإنسان قد يحفظ آلاف المعلومات، لكنه يسيء التصرف عند أول موقف، بينما الحكيم قد يتكلم بكلمات قليلة تغير حياة الآخرين.
في الإسلام ليست العبادة مقصورة على الصلاة والصيام، بل إن للعقل عبادته وللقلب عبادته، وللفكر عبادته، ولهذا ورد عن الإمام الحسن
:
«لا عبادة كالتفكر في صنعة الله عز وجل.» [5]
فالعبادة الحقيقية ليست مجرد حركات تؤدى، وإنما حضور القلب مع الله.
وكم من ركعة بلا تفكر لا تغير صاحبها، وكم من لحظة تأمل صادقة قلبت حياة إنسان بأكملها.
ولهذا كان العلماء يقولون إن ساعة من التفكر قد تكون خيرًا من ساعات طويلة من العبادة الخالية من حضور القلب.
قال الإمام الحسن
:
«أوصيكُمْ بتقوى اللَّهِ، وإدامةِ التفكّرِ، فإنّ التفكّرَ أبو كلِّ خيرٍ وأمُّهُ.» [6]
تبدأ الرواية بالتقوى؛ لأنها الغاية التي يسعى إليها المؤمن، ثم يأتي التفكر؛ لأنه الوسيلة التي تحفظ التقوى، وتنمّيها، وترسّخها في القلب والسلوك.
ولم يقل الإمام
: إن التفكر سببٌ لبعض الخير، بل قال:
«فإنّ التفكر أبو كلِّ خيرٍ وأمُّه.»
وهذا من أبلغ التعابير؛ فإن اختيار كلمة «أب» في اللغة العربية يدل على الأصل والمنشأ، بينما تدل كلمة «أم» على الحاضنة التي ترعى وتنمّي. فكأن الإمام يريد أن يبين أن كل خير ينشأ من التفكر، ثم ينمو ويكتمل به.
فكل عمل صالح يسبقه تفكيرٌ واعٍ؛ فالصدقة تبدأ بالتفكر في حاجة الفقير، وصلة الرحم تبدأ بالتفكر في قيمة الأسرة، والتوبة تبدأ بالتفكر في عواقب الذنب، وطلب العلم يبدأ بالتفكر في شرف المعرفة، والإصلاح يبدأ بالتفكر في أسباب الفساد، والدعوة إلى الله تبدأ بالتفكر في حاجات الناس وأفضل السبل لهدايتهم.
ولهذا كان التفكر بمنزلة الجذر الذي تنبت منه شجرة الأعمال الصالحة؛ فالأعمال هي الثمار التي يراها الناس، أما أصلها فيبقى مغروسًا في أعماق العقل، وممتدًا في تربة القلب، يغذي السلوك ويثمر الخير في كل حين.
قال الإمام: «وإدامة التفكر.»
فالتفكر ليس موقفًا عابرًا، وإنما أسلوب حياة، فالإنسان يحتاج أن يجعل لنفسه وقتًا يوميًا يراجع فيه نفسه.
ماذا قدم اليوم؟ من أساء إليه؟ هل ظلم أحدًا؟ هل شكر نعمة؟ هل اغتنم وقته؟ هل اقترب من الله أكثر؟
هذه المحاسبة اليومية هي صورة من صور التفكر التي تبني الإنسان من الداخل.
وقد روي عن الإمام الكاظم
:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَه فِي كُلِّ يَوْمٍ فَإِنْ عَمِلَ حَسَناً ازْدَادَ اللَّه شُكْراً وإِنْ عَمِلَ سَيِّئاً اسْتَغْفَرَ اللَّه وتَابَ إِلَيْه.»
والمحاسبة لا تكون إلا بعد التأمل والتفكر.
قال الإمام الحسن
: «من عرف الله أحبه.»
وهذه قاعدة تربوية عظيمة، فالمحبة ثمرة المعرفة. ك، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله ازداد حبًا له.
ومن أحب الله أطاعه، ومن أطاعه اقترب منه، ومن اقترب منه وجد الطمأنينة، ولهذا يكثر القرآن من دعوة الإنسان إلى التفكر في الكون: في السماء، وفي الأرض، وفي الليل والنهار، وفي نفسه، لأن هذه كلها طرق تقود إلى معرفة الله.
قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [8]
قول الإمام الحسن:
«من عرفَ اللَّه أحبّهُ، ومن عرفَ الدنيا زهدَ فيها والمؤمنُ لا يلهو حتى يغفلَ وإذا تفكر حزنَ.» [9]
«ومن عرف الدنيا زهد فيها.»
ليس المقصود ترك العمل أو السعي في الرزق، وإنما المقصود ألا تتحول الدنيا إلى غاية.
فالإنسان إذا تأمل في الدنيا وجد أنها:
سريعة الزوال، كثيرة التقلب، لا تدوم لأحد، يرحل عنها الجميع.
ولهذا قال أمير المؤمنين
:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ، وَالْآخِرَةُ دَارُ مُسْتَقَرٍّ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمُسْتَقَرِّكُمْ، وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَلِلْآخِرَةِ خُلِقْتُمْ، وَفِي الدُّنْيَا حُبِسْتُمْ.» [10]
فالتفكر يزيل الغفلة، ويجعل الإنسان يستخدم الدنيا للوصول إلى الآخرة، لا أن يجعلها نهاية الطريق.
قال الإمام: «والمؤمن لا يلهو حتى يغفل.»
الإسلام لا يمنع الإنسان من الترويح عن نفسه، لكنه يرفض أن يتحول اللهو إلى غفلة.
فالمؤمن يفرح، ويبتسم، ويمازح أهله، ويستريح، لكنه يبقى حاضر القلب، لا ينسى رسالته، ولا يضيع عمره فيما لا ينفع.
ومن هنا فإن التفكر يحفظ الإنسان من الانشغال الدائم بما يبعده عن الله.
قال الإمام: «فإذا تفكر حزن.»
ليس المقصود الحزن الذي يقود إلى اليأس أو الاكتئاب، وإنما الحزن الذي يوقظ الضمير.
فعندما يتفكر المؤمن في نعم الله يستحي من التقصير.
وعندما يتفكر في عمره يخشى ضياع الأيام.
وعندما يتفكر في الآخرة يستعد لها.
وعندما يتفكر في ذنوبه يسارع إلى التوبة.
إنه حزن يولد العمل، لا القعود.
وحزن يقود إلى الإصلاح، لا إلى الاستسلام.
جعل القرآن التفكر من أبرز وسائل الهداية، ولذلك تكررت مشتقاته في آيات كثيرة، منها:
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [11]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [12]
وقال عز وجل:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [13]
إن التفكر ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة للوصول إلى اليقين، والعمل، والإصلاح.
في عصر السرعة، تتزاحم المعلومات، وتتلاحق الصور، وتمتلئ الأوقات بالرسائل والتنبيهات، حتى أصبح كثير من الناس يعيشون في ضجيج دائم، لكنهم يفتقدون لحظات الصمت التي يراجعون فيها أنفسهم.
ومن هنا تبدو وصية الإمام الحسن
أكثر حاجة في زماننا؛ فإدامة التفكر تعيد للإنسان توازنه، وتجعله أقدر على التمييز بين المهم والثانوي، وبين الحقيقة والزيف، وبين ما يبقى وما يفنى.
إن دقائق قليلة من التأمل الصادق في كتاب الله، أو في نعمه، أو في أحوال النفس، قد تكون سببًا في قرار يغيّر حياة الإنسان كلها، ويقوده إلى مزيد من الإيمان والحكمة والاستقامة.
تقدم كلمات الإمام الحسن المجتبى
رؤية متكاملة للتفكر، فهو حياة للقلب، ومفتاح للحكمة، وأصل لكل خير، وطريق إلى معرفة الله، وسبب للزهد في الدنيا، ووسيلة لمحاسبة النفس، وعلامة على يقظة المؤمن.
ومن يجعل التفكر عادةً يومية، لا يعيش أسير الانفعال أو الغفلة، بل يصبح صاحب بصيرة يزن الأمور بميزان العقل والإيمان، ويهتدي بنور الحكمة في قراراته ومواقفه. وهكذا يتحول التفكر من مجرد عملية ذهنية إلى منهج حياة، يبني الإنسان من داخله، ويجعله أقرب إلى الله، وأنفع لعباده، وأثبت على طريق الحق.













