عيد تاناباتا
قبل أن يعرف الإنسان أن درب التبانة يتكون من مئات المليارات من النجوم، كان ينظر إليه بوصفه نهرا سماويا، أو طريقا مضيئا، أو جسرا يصل بين العوالم الأخرى. لم يكن مجرد منظر جميل في السماء، بل كان جزءا من معتقداته وحكاياته وأساطيره، لأن الإنسان القديم كان يفسر الكون بالخيال قبل أن يفسره بالعلم. ومن المدهش أن معظم الحضارات، رغم تباعدها الجغرافي، اتفقت على أن هذا الشريط الأبيض الممتد عبر السماء يمثل طريقا أو نهرا.
في اليابان سُمي ”نهر السماء“، وكان يُعتقد أنه يفصل بين عاشقين لا يلتقيان إلا مرة واحدة كل عام، عندما تبني طيور العقعق جسرا بأجنحتها فوق درب التبانة.
في الصين حمل المعنى نفسه تقريبا، وأصبح نهرا سماويا يفصل بين راعي البقر والنسّاجة في قصة ما زالت تُروى حتى اليوم.
وعند الإغريق اعتقدوا أنه أثر من اللبن الإلهي الذي تناثر في السماء، ومن هنا جاء الاسم اللاتيني Via Lactea أي الطريق اللبني، الذي اشتُق منه الاسم الإنجليزي Milky Way.
أما عند العرب ارتبط بأسماء متعددة، منها المجرة ودرب التبانة، ورآه بعضهم طريقا في السماء، بينما شبّهه آخرون بمجرى ممتد يعبر القبة السماوية. وقد ارتبط أيضا بأسفار القوافل، إذ كان وجوده في الليالي الصافية يساعد على الاهتداء إلى الجهات.
وحين أقف ليلا خلف الكاميرا، وأوجه عدستي نحو درب التبانة، أقرأ حكايات كتبتها الشعوب منذ آلاف السنين. وكلما اقترب السابع من يوليو، أتذكر واحدة من أجمل الأساطير التي نسجها الخيال الإنساني حول السماء، وهي الأسطورة اليابانية التي يحتفل بها اليابانيون في «عيد تاناباتا». في هذا اليوم، الذي يُعرف لديهم باليوم السابع من الشهر السابع، لا يقتصر الاحتفال على الزينة والألوان، بل يمتد إلى علاقة عميقة بين الإنسان والسماء. كان الأطفال يعلقون الأمنيات على أغصان الخيزران، وتكتب الفتيات أمنياتهن بأن يصبحن ماهرات في الحياكة، بينما يدعو الآباء والأمهات بالرزق والسعادة والحكمة. كان الجميع يرفعون أبصارهم إلى السماء، لأنهم كانوا يؤمنون أن أمنية واحدة فقط يمكن أن تتحقق كل عام، لذلك كانت تلك الليلة تحمل قيمة استثنائية في قلوبهم.
وأثناء تصويري للسماء، كنت أتوقف طويلا أمام نجمين لامعين يفصل بينهما شريط درب التبانة. في علم الفلك أعرف أنهما نجما فيغا في كوكبة القيثارة وألتاير في كوكبة العقاب، لكن في الثقافة اليابانية يتحولان إلى عاشقين فرقتهما السماء، وجعلت لقاءهما حدثًا ينتظره الناس كل عام.
تروي الأسطورة أن ابنة ملك السماء كانت فتاة مجتهدة لا يشغلها سوى النسيج، حتى لقبت بأميرة النسيج. أعجب والدها باجتهادها، فزوجها من راعي أبقار يعيش على الضفة الأخرى من نهر السماء، وهو درب التبانة كما نراه اليوم. لكن الحياة الزوجية جعلت كليهما ينشغل بالحب عن العمل، فغضب ملك السماء وقرر أن يفرقهما، فيقيم كل واحد منهما على جانب من النهر، ولا يسمح لهما باللقاء إلا ليلة واحدة كل عام، في السابع من الشهر السابع. ومن أكثر تفاصيل الأسطورة شاعرية أن اللقاء لا يتم إلا عبر جسر تصنعه أسراب طيور العقعق بأجنحتها، فتتحول إلى ممر يعبر فوق نهر النجوم. أما إذا هطل المطر، فإن النهر يفيض ويختفي الجسر، فيتأجل اللقاء عاما آخر، ولهذا كان اليابانيون يتمنون دائما أن تكون السماء صافية في تلك الليلة.
كلما التقطت صورة لدرب التبانة، أجد نفسي أبتسم لهذه القصة. أعلم أن النجوم لا تعبر النهر، وأن طيور العقعق لا تبني جسورا في الفضاء، لكنني أدرك أيضا أن الإنسان، لم يكتفِ بحساب مواقع النجوم، بل حاول أن يمنحها روحا ومعنى. فالأساطير لم تكن منافسة للعلم، بل كانت لغة يفسر بها الإنسان دهشته أمام الكون.
وهذا ما يجعل التصوير الفلكي بالنسبة لي، محاولة لالتقاط العلاقة القديمة بين الإنسان والكون، علاقة امتزج فيها العلم بالشعر، والرصد بالخيال. فعندما أنظر إلى درب التبانة من خلال عدستي، لا أرى فقط مليارات النجوم، بل أرى ذاكرة البشرية وهي تروي قصصها فوق القبة السماوية.
ويعقول أبو العلاء المعري، واصفا درب التبانة:
كَأَنَّ المَجَرَّةَ نَهرٌ جَرى... تُفَتَّحُ فيهِ كِمامُ الزَهَر
وَشاحٌ تَعَلَّقَ في نَحرِها... يُفَصِّلُ بَينَ النُجومِ الأُخَر














