آخر تحديث: 22 / 7 / 2026م - 11:04 م

ما كانَ للهِ يَنمو

هاشم الصاخن *

يمضي الإنسان يومه متنقلًا بين أعمالٍ كثيرة؛ فمنها عبادة يؤديها، ووظيفة يلتزم بها، وتجارة يسعى فيها إلى رزقه، وأعمال اجتماعية وتطوعية يقدمها للآخرين. وكثيرًا ما ينظر إلى هذه الأعمال على أنها متفرقة؛ فهذا للدنيا، وذاك للآخرة.

لكن هل سألنا أنفسنا يومًا: ماذا لو جعلنا يومنا كله لله تعالى؟

ليس المقصود أن يردد الإنسان بلسانه قبل كل عمل أنه لله، وإنما أن يستحضر في قلبه الإخلاص، فيؤدي عمله ابتغاء مرضاة الله، بعيدًا عن الرياء، وطمع الثناء، وحب الظهور. فالإخلاص ليس كلمات تُقال، بل نية صادقة يعلمها الله سبحانه.

قال تعالى:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [سورة التين: الآية 6].

إنها دعوة لأن نعيد النظر في أعمالنا اليومية، وأن نحاول أن نجعلها جميعًا طريقًا إلى الله. فما كان لله لا يضيع، بل ينمو أثره، وتزداد بركته، ويبقى أجره محفوظًا عند الله سبحانه.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده قليلًا: هل يمكن أن يتحول يوم الإنسان كله إلى عبادة؟

قد يظن البعض أن العبادة تنتهي بانتهاء الصلاة أو قراءة القرآن، بينما الحقيقة أن أبواب القرب إلى الله أوسع من ذلك بكثير، إذا صاحبتها النية الصادقة.

فالموظف الذي يخرج إلى عمله كل صباح، هل جرب يومًا أن يستحضر أنه لا يؤدي وظيفة فحسب، بل يقضي مصالح عباد الله؟ وأن ابتسامته، وصبره على المراجعين، وحرصه على إنجاز معاملاتهم، قد تكون أعمالًا يتقرب بها إلى الله قبل أن تكون واجبًا وظيفيًا؟ فكم من معاملة يسيرة أدخلت السرور على قلب إنسان، وكم من كلمة طيبة خففت عن مراجع عناء يومه.

والتاجر، هل جرب أن يجعل أمانته لله قبل أن تكون حفاظًا على سمعته؟ وأن يكون صدقه في البيع، ووفاؤه بالوعد، وابتعاده عن الغش، عبادةً يتقرب بها إلى الله؟ بل هل فكر أن يقتطع جزءًا من أرباحه، مهما كان يسيرًا، ليكون سهمًا في مساعدة محتاج أو دعم مشروع ينفع المجتمع؟

أما المتطوع، فهو أكثر الناس قدرة على استحضار هذا المعنى؛ لأنه يعمل غالبًا دون مقابل. لكن يبقى السؤال: هل ينتظر ثناء الناس، أم يكفيه أن يعلم الله بما قدم؟ فما كان خالصًا لله، لا يحتاج إلى تصفيق، ولا إلى صورة، ولا إلى شهادة تقدير.

ورب الأسرة، الذي يسعى من أجل زوجته وأبنائه، قد يظن أن ما يبذله مجرد مسؤولية يومية، لكنه إذا احتسب تعبه لله، أصبح كل جهد يبذله، وكل نفقة ينفقها، وكل وقت يقضيه في رعاية أسرته، قربةً يتقرب بها إلى الله.

بل إن هذه الفكرة لا تقف عند هؤلاء. فالطالب في طلبه للعلم، والمعلم في تعليمه، والطبيب في علاجه، والسائق في التزامه بأخلاق الطريق، والمهندس في إتقانه، والعامل في أمانته... كل واحد منهم يستطيع أن يحول ساعات يومه إلى رصيد من الحسنات، دون أن يغير عمله، وإنما يغير النية التي يحملها في قلبه.

ولعل هذا المعنى لا يقتصر على المهن والأعمال، بل يمتد إلى مواقف الحياة اليومية التي قد نعدها عابرة، بينما هي عند الله عظيمة إذا أُريد بها وجهه الكريم.

فماذا لو سامحت إنسانًا أساء إليك، لا لأنك ضعيف، بل لأنك أردت ما عند الله؟

وماذا لو تغافلت عن زلة شخص اتهمك ظلمًا، واخترت أن تطوي الصفحة ابتغاء مرضاة الله، لا عجزًا عن الرد؟

وماذا لو عفوت عن عامل أخطأ في عمله، فوجهته برفق، ومنحته فرصة أخرى ليصحح خطأه، محتسبًا ذلك عند الله؟

بل ماذا لو كظمت غيظك في لحظة غضب، أو رددت الإساءة بالحسنى، أو أعنت محتاجًا دون أن يعلم بك أحد، أو سترت خطأ أخيك بدلًا من نشره بين الناس؟

إنها مواقف قد يراها الناس صغيرة، لكنها عند الله ليست كذلك إذا خرجت من قلب صادق. فقد يتحول عفو، أو كلمة طيبة، أو تغافل عن زلة، أو إحسان خفي، إلى عمل عظيم لا يعلم قدره إلا الله.

ولعل أجمل ما في الأمر أننا لا نستطيع أن نزيد عدد ساعات يومنا، لكننا نستطيع أن نزيد قيمتها عند الله. فكم من عمل اعتاده الناس، رفعه الإخلاص حتى صار عبادة، وكم من عمل عظيم فقد قيمته لأن صاحبه لم يرد به وجه الله

فلنجرب أن نعيش يومًا واحدًا بهذه النية؛ أن يكون ما نقوله، وما نعمله، وما نقدمه للناس، ابتغاء وجه الله تعالى. فرب عملٍ صغيرٍ عظُم بالإخلاص، ورب عملٍ كبيرٍ فقد قيمته بالرياء. وما كان لله ينمو.

سيهات