آخر تحديث: 23 / 7 / 2026م - 9:54 م

الثقافة.. وصناعة التنوع

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

من الشائع أن يُنظر إلى الثقافة بوصفها الأدب وحده، أو الرواية، أو رفوف المكتبات، وكأن بقية ما ينتجه الإنسان من فنون وعادات وأنماط حياة لا يرقى إلى أن يكون ثقافة؟

الثقافة ليست قالبًا واحدًا، وليست ذائقة شخصية، وليست قرارًا يصدره فرد أو مؤسسة. إنها الذاكرة الحية للمجتمع، بكل ما تحمله من لغة، وأدب، وعمارة، وموسيقى، وأزياء، ومطبخ، وحرف، وعادات، واحتفالات، وقيم، وتجارب إنسانية تراكمت عبر الزمن.

ولا شك أن الأدب أحد أهم روافد الثقافة. فمن خلال الروايات تعرّفنا إلى مجتمعات لم نزُرها، وعشنا مع شخصيات لم نلتقِ بها، وتعرّفنا إلى مفردات جديدة، واتسعت قدرتنا على التخيل وفهم الإنسان. ولولا الأدب لما وصلت إلينا ملاحم مثل الإلياذة والأوديسة، ولا بقيت أعمال شكسبير، وتولستوي، ونجيب محفوظ، حاضرة في الوعي الإنساني حتى اليوم.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل الأدب وحده هو الثقافة؟

لو تأملنا المجتمعات بعمق، لوجدنا أن المطبخ ربما يروي تاريخها أكثر مما ترويه الكتب أحيانًا.

فالطبق الشعبي ليس مجرد وصفة، بل وثيقة اجتماعية واقتصادية، تحكي عن طبيعة الأرض وما تنتجه، وعن المناخ، وطرق التجارة، والهجرات، والتبادل الحضاري. وحتى الأطباق الشعبية الشهيرة لم تكن ثابتة عبر التاريخ، ولا متطابقة بين المناطق التي تُعد جزءًا من هويتها الثقافية، بل تغيرت مكوناتها تبعًا للبيئة والموارد المتاحة، كما أثرت فيها طرق التجارة والهجرات، فأصبحت شاهدًا على انفتاح المجتمعات وتفاعلها مع غيرها، لا على انغلاقها.

وهذا لا ينتقص من أصالة تلك الأطباق، بل يؤكد أن الثقافة تنمو بالتفاعل، لا بالعزلة.

والأمر نفسه ينطبق على الأزياء.

فالزي التقليدي لم يكن يومًا نسخة واحدة، بل تميزت كل منطقة بألوانها، ونقوشها، وأقمشتها، وأساليب تطريزها، التي تأثرت بالبيئة والمناخ والموارد والعلاقات التجارية مع الشعوب المجاورة. ولم يكن هذا التنوع سببًا لتفكيك الهوية، بل كان مصدرًا لثرائها. ولذلك أصبحت الأزياء التقليدية اليوم جزءًا من القوة الناعمة للدول، لأنها تختصر تاريخًا كاملًا في قطعة قماش.

أما الفنون الشعبية، فهي لغة المجتمعات قبل أن تكون عروضًا على المسارح.

فهي ليست مجرد أداء فني، بل سجل حي تختزن فيه الشعوب قيمها وذاكرتها الجمعية. ولكل مجتمع رقصاته، وأهازيجه، وإيقاعاته، التي تعكس تاريخه وبيئته وتجاربه، وتنتقل من جيل إلى آخر بوصفها جزءًا أصيلًا من هويته الثقافية.

ولهذا لم يكن من المستغرب أن تحرص دول عديدة على تسجيل عناصر من تراثها الثقافي غير المادي في قوائم اليونسكو، إدراكًا بأن الثقافة لا تُختزل في الكتب، بل تمتد إلى كل ما يصنع هوية الإنسان والمجتمع.

إن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة ثقافية ليس ضعف الإنتاج، وإنما ضيق مفهوم الثقافة.

فعندما تصبح الثقافة أسيرة ذائقة واحدة، أو تخصص واحد، أو رؤية أحادية، فإننا لا نحمي الثقافة، بل نضعها تحت الوصاية. والوصاية لا تُنتج إبداعًا، لأنها تبدأ بتحديد ما يستحق أن يُسمى ثقافة، وما ينبغي استبعاده.

والثقافة الحية لا تُقصي، بل تستوعب. وهي لا تخشى الاختلاف، لأنها تدرك أن الحضارات الكبرى لم تُبنَ على التشابه، وإنما على التفاعل بين الشعوب، وتبادل المعرفة، وتلاقح الأفكار، وتراكم الخبرات الإنسانية.

ولهذا فإن دور المؤسسات الثقافية لا يكمن في ترجيح فن على آخر، أو أدب على غيره، بل في رعاية هذا التنوع، وإتاحة الفرصة لكل روافده كي تنمو جنبًا إلى جنب. فالمثقف ليس فقط من يقرأ رواية، بل أيضًا من يحفظ حرفة، أو يطور طبقًا، أو يصمم زيًا، أو يعزف لحنًا، أو يروي حكاية شعب.

الثقافة، في نهاية المطاف، ليست رفًا للكتب.. بل حياة كاملة.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي