قلبُ يُوسُفَ.. عقدة الأستحقاق في أبناء يعقوب «1»
القرآن الكريم وهو يخبرنا بمسارات حياة نبي الله يوسف بن يعقوب، وتقلباتها، وقسوة تفاصيلها التي لا يغفل ذكرها، لنجد أنفسنا أمام وعي لا يتسع له الصمت، ولا يليق به! ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5] نبي الله يعقوب
كان يرى قلوب أبنائه بيقين قلب نبي لا يحتمل تأويلًا يرده عن حقيقته.
إن الله اصطفى يوسف نبيًّا من أبناء يعقوب، وهذا الاصطفاء سيحرك في النفوس الضعيفة من حوله أسوأ ما فيها؛ فيكيدوا لك كيدا. الكيد في اللغة العربية: إرادة مضرة الغير خفيةً. وبجزم ويقين تام يخبر يعقوب ابنه النبي المبشر وهو في السابعة من عمره، أن الطريق الموصل إلى رسالة الله شاق جدا، وعسير جدا، وقاس جدا، ومؤلم بطول ثلاثين سنةً مستدامةً من الوجع الصلب.
يعقوب كان يرى كما يرى الأنبياء: يرى صدق القلوبِ قبل الأفعال المرائية، ويرى استقامة الطريقِ قبل أن يمشى فيه، ويعلم أن الكيد المولود من الحسد والكراهية سيقع، وأنه جزء من هذا القدر العظيم الجليل الرفيع الذي سيصنع به نبي بطهر الملائكة وجمالها «اسمه يوسف»!
إبليس قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] الاستحقاق الذي مقته الله بسببه.
إن العبرة في الجوهر والقيمة في السر، وليس في القشرة والمادة الحاملة له! ومع أبناء يعقوب يأتي الاستحقاق محمولا على الغيرة الكافرة: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: 8] اشتغال أنفسهم بالاستحقاق المتعالي جعلهم في مقارنة مستمرة مع يوسف وقياس لذواتهم به، لقد أورثهم شعورًا بالنقص لا يرتفع عنهم ولا يزول.
هكذا أوصلهم الاستحقاق إلى الكفر بنبوة يعقوب، فقالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8]
أن يبتلى قلبك بمرض الاستحقاق يجعلك ترى الخير عند غيرك خطأ، وترى الاصطفاء من الله لغيرك ظلما لك؛ الاعتقاد بالاستحقاق هو خطيئة تلد الخطايا الكبرى. إخوة يوسف لم يكونوا يرون أنفسهم أقل من يوسف، بل كانوا يرون أنفسهم أحق منه.
الشعور بالاستحقاق هو أخطر ما في النفس البشرية؛ لأنه يجعل الإنسان يقول: أنا أولى، أنا أفضل، أنا أحق، أنا أستحق ما حصل عليه غيري، ثم يزدري ويحتقر كل نعم الله عليه.
وكل ما بعد الاستحقاق من رذائل فعلها أبناء يعقوب كان تنفيذا له أو الامتداد الطبيعي له. القتل تعبير عن عمى القلب، وموت الضمير ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: 9]؛ لأن القتل هو خاتمة غلالة المقت في قلوبهم.
وحين ظهر القرار الثاني: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: 10]، كان تخفيفا للجريمة دون تغيير لجوهرها؛ إرادة إبعاده، ونفيهِ، وإخراجهِ من دائرة حياتهم، ومن دائرة الاصطفاء من بينهم، ومن البيت الذي يشهد نبوته ويشهد فضائله ويعيش في ظلال نوره.
النزول من قتل جسد يوسف إلى قتل معناه وحضوره وقيمته من خلال بيعه بوصفه عبدِ سَوءٍ قيمته دراهم معدودة!
ومع جلال تجلي الرواية القرآنية نرى:
اقتراف الخطيئة الكبرى، مع قرار بتوبةٍ مؤجلةٍ.
أخطر ما في جريمة «قتل نبي» قولهم: ﴿وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 9]
النفس الجائعة والمتلهفة لقتل ملاك على صورة نبي بجمال يوسف وطهره، تمني نفسها بتوبة يتقبلها الله منها.
صورة من أرذل صور عقدة الاستحقاق، وربما أشد أنواعها خطورة! من يقتل نبيًّا، يمني نفسه بتوبة يتقبلها الله منه!
عقدة الاستحقاق طردت إبليس من الجنة ومن صفوف الملائكة، وأنزلته إلى مقت الله الأعظم وحلول غضبه ولعنته عليه!
وعقدة الاستحقاق جعلت أبناء يعقوب لصوصا لا تتورع عن قتل نبي بجمال الملائكة في وجهه وروحه!
هي رذيلة تسلب من النفس براءتها، وطهرها، وإنسانيتها، وتأخذ من الشيطان أرذل ما فيه من صفات وأفعال، فكن حذرا من أن تبتلى ببعضها؛ لأني أنزهك أن تبتلى بها.
لا تظن أنك تستحق النعمة التي أنت فيها، وأنك نلتها بعملك، أو بسعيك، أو بحول منك وقوة فيك، هي هبة محضة من الله، وعطية تحملها رأفته ورحمته عليك: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 53-54].
هنالك يسقط عن قلبك الاستحقاق بتمامه، عن كل نعمة أنعم الله بها عليك أو على غيرك، ويستيقظ في قلبك يقين ثابت لا يتبدل: أنك مسلوب الحول والقوة ولا تملك لنفسك نفعًا ولا تدفع عنها ضرًّا.
﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188].













