آخر تحديث: 23 / 7 / 2026م - 9:54 م

حول إدارة الاختلاف الديني

يوسف أحمد الحسن *

أكثر ما لفتني في كتاب «إدارة الاختلاف في الاجتماع الديني» هو تشخيصه لأهم أسباب انتشار حالات الخصومة والنزاع في أوساط المتدينين وهو «ضعف الاهتمام والوعي بالبعد الأخلاقي من الرسالة الدينية، حيث تركز كثير من الجهات الدينية، على الجانب العقدي الكلامي أو الفقهي العبادي أو الشأن السياسي».

ويضيف مؤلف الكتاب - سماحة الشيخ حسن الصفار - في مقدمة الكتاب بأن كل هذه الجوانب تستدعي اختلاف وجهات النظر، وتفسح المجال لتضارب المصالح بين المختلفين فيها، وذلك أمر طبيعي مقبول. لكن ضعف حضور القيم والمبادئ في النفوس وغياب الوازع الأخلاقي، هو الذي يدفع لتحول الاختلاف في الرأي أو التعارض في المصلحة إلى حالة من النزاع والخصومة والانقسام.

وبعد أن قدم تعريفات للعلاقات الاجتماعية في الفصل الأول «ثقافة العلاقات العامة»، تحدث فيه عن التحفيز الديني للعلاقات الاجتماعية، ولما أسماه المسافة الآمنة في العلاقات الاجتماعية؛ انتقل إلى الفصل الثاني «الاختلاف والخصومة» والذي قسّمه إلى: مزالق الخصومات، الموضوعية في توصيف الخصوم، لا تظلم من تكره، المصلحون ومواجهة الاتهامات؛ تحدث فيها عن خطورة تحويل الخصومة من الإنصاف إلى الفجور داعيا إلى الموضوعية في توصيف الخصوم، مع الحرص على عدم ظلمهم أو إلصاق التهم بهم رغم الاختلاف معهم، مدعما فكرته بمجموعة من الآيات والأحاديث وآراء بعض العلماء.

أما الفصل الثالث فيتحدث عن لب المسالة وهو «إدارة الاختلاف» التي تقوم على تفهم وجهة النظر الأخرى والتي توصلوا إليها نتيجة معطيات معينة توفرت لديهم ربما تكون أقل من معطيات طرف آخر أو مختلفة عنها، وبالتالي فإن قراراتهم وردود أفعالهم تختلف بالضرورة عن غيرهم ممن لديم معطيات مختلفة. وهنا يوضح سماحة الشيخ الصفار في كتابه كيف يتعامل المتدينون مع مثل هذه الإشكالية بحكمة وموضوعية. فمن الناس من يعتمد الحوار النِدّي مع ذلك الطرف، ومنهم من يتعالى عليه على أساس كونه من يملك الحق. ويستشهد الكاتب بالآية الكريمة «قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» سبأ: 24، كما يستشهد بالقصة المشهورة عن موقف الإمام علي من الخوارج حين خرجوا عليه فقال عنهم: فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه، وبالآية الكريمة: «بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون» الأنبياء: 24 التي تربط الإعراض عن الحق بالجهل به.

وتحدث الكاتب في موقع آخر من هذا الفصل عن الخطأ الذي يقع فيه البعض من شخصنة الأفكار وهي الحكم على الفكرة من خلال الموقف من الشخص الذي تنسب إليه الفكرة لا مضمونها، مورداً بعض الروايات التي تنبذ هذا التوجه منها حديث مروي عن الإمام الصادق عن رسول الله ﷺ: كلمتان غريبتان فاحتملوهما: كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها، ونص آخر يرويه أهل البيت عن عيسى بن مريم : خذوا الحق من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق، كونوا نقاد الكلام.

وفي القسم الأخير من هذا الفصل يتحدث الشيخ الصفار عن كيفية التعامل مع النقد البناء والهدام موضحا أسباب حساسية البعض من الانتقاد حاصرا إياه في: ضعف الوعي الاجتماعي وضعف ثقة الإنسان بنفسه والنرجسية والمثالية. بعدها أورد الشيخ الصفار بعض الأفكار التي تخلق توازنا لدى الجميع في تقبل النقد كالحديث الوارد عن رسول الله صلي الله عليه وآله: المؤمن مرآة المؤمن، والرواية الواردة عن الإمام الصادق : أحب إخواني إلي من أهدى إلي عيوبي.

أما الفصل الرابع «الاختلاف الفكري والتآلف الاجتماعي» فقد قسمه الكاتب إلى أقسام تحدث في القسم الأول «احتضان مستويات التدين» عن وجود تفاوت في مستويات التدين لدى الناس وضرورة تقبل ذلك، ويتحدث في القسم الثاني «رفض المعصية ورحمة العصاة» عن النظر إلى العصاة نظرة رحمة وشفقة كما تدعونا تعاليم الإسلام وما وَصَلَنَا من أحاديث، لا نظرة حقد. وجاء بعد هذين القسمين قسم «مجتمع المؤمنين بين التآلف والتنافر» و«القيادات الدينية وتحدي المزايدين» و«ظاهرة التنمر والتنمر الديني»، وأخيرا «مسؤولية تداول الكلمة» دعا فيها إلى التثبت مما ينشر عبر الوسائل الحديثة والتي منها وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الانسياق معها وإعادة نشرها بنفس سهولة وصولها إلينا لما قد يتسبب فيه ذلك من إذكاء للخلافات الدينية.

ويعد هذا الكتاب - الذي طبع في دار الانتشار العربي في 222 صفحة - مرجعا هاما في موضوعه لا غنى عنه للعاملين في المجال الديني بشكل خاص والاجتماعي بشكل عام.