آخر تحديث: 25 / 7 / 2026م - 9:51 م

الكبار... إلى إشعار آخر

رائدة السبع * صحيفة اليوم

أعترف أنني أغرمت بهذه اللعبة، وأدين باعتذار متأخر لكل الرجال الذين ظننا يومًا أنهم يبالغون. لم يكونوا كذلك، بل كانوا أكثر شجاعة في إعلان هشاشتهم أمام هذه المدوّرة.

كرة القدم ليست لعبة، وهذه ليست مبالغة. إنها فن يجاور الرسم في خفته، ويشبه الكتابة في قدرته على السرد، ويقترب من الفلسفة حين يضعك أمام سؤال بلا إجابة: لماذا نهتم؟ ربما كان كامو محقًا حين ربط المعنى بالعبث؛ فالمباراة لا تعدك بعدل كامل، لكنها تمنحك سببًا كافيًا لتؤمن.

في هذه البطولة، رأينا كيف يمكن لفريق ”صغير“ أن يهزم ”كبيرًا“، وكيف يمكن لنجوم لامعة أن تخفت في لحظة، وكيف يمكن لخطأ بسيط أن يغيّر مصير أمة كاملة. كل ذلك يذكّرنا أن العالم ليس محكومًا بالقوة وحدها، بل باللحظة، والتوفيق، وبذلك الشيء الغامض الذي نسميه الحظ... أو القدر.

كنت أعتقد أن البطولة تُلعب في مستطيل واضح المعالم، لكنني اكتشفت أنها أوسع وأعمق، فهناك أبناء يشاهدون آباءهم من وراء الشاشات، وأمهات تعلقت قلوبهن بهدف أو توقفت عند إصابة قد تكون خطيرة، وزوجة تدير المشهد في الظل؛ عين على طفلها، وأخرى على الشاشة، تصرخ مع كل هدف.

أعترف أنني لا أنتمي لفريق، بل للحظة؛ لكل دهشة عبرتني، ولكل مباراة تركت أثرًا خفيًا. الانتماء هنا ليس شعارًا، بل تجربة عابرة تعيد تشكيلك ثم تمضي.

وبشيء من السخرية الصادقة... لم يكن الاشتراك في القنوات الناقلة لكأس العالم خسارة، بل استثمارًا في شعور نادر: أن تعيش شيئًا كاملًا، حتى لو لم تفهمه بالكامل.

صدق نيتشه حين قال إننا نحتاج إلى الفن كي لا تقتلنا الحقيقة، وربما كانت كرة القدم أحد أكثر الفنون صدقًا في أداء هذه المهمة.

أعترف أنني لم أعد أرى المباراة كما هي؛ أراها شبكة علاقات، ومشاعر مؤجلة، وأدوارًا غير مكتوبة. أراها حكاية إنسانية ضخمة، لكنها في حقيقتها بطولة جماعية.

لا تبقى النتيجة، بل تلك اللحظة التي صرخنا فيها دون أن نفكر، أو ضحكنا فيها كأطفال، أو صمتنا ونحن ننتظر ما سيحدث. تبقى الوجوه التي شاركتنا الشعور، والقلوب التي خفقت معنا بالإيقاع نفسه.

ربما لهذا تبدو كرة القدم أكبر من كونها لعبة؛ لأنها تخلق، ولو لوقت قصير، عالمًا نشبه فيه بعضنا أكثر مما نظن.

وربما هذه هي البهجة الحقيقية...

أن نعرف كيف نلتقطها، حتى وهي تمرّ سريعًا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد المرهون
[ القطيف ]: 25 / 7 / 2026م - 9:59 م
اجمل مقال