آخر تحديث: 25 / 7 / 2026م - 9:51 م

الجهاد في سبيل العلم: أبو نضال عبد الله الكشي أنموذجًا

ليس الجهاد مقصورًا على ميادين القتال، بل إن من أعظم صور الجهاد أن يجاهد الإنسان نفسه في طلب العلم، وأن يتحمل المشقة، ويغالب ظروف الحياة، وينتقل من مكان إلى آخر بحثًا عن المعرفة، حتى يجعل من العلم رسالةً يعيش لها، وينقل أثرها إلى من حوله.

جسّد أبو نضال عبد الله حسين الكشي هذا المعنى في مسيرة علمية طويلة، امتدت منذ طفولته حتى مراحل متقدمة من حياته، فكان نموذجًا للإنسان الذي أدرك أن العلم هو الاستثمار الحقيقي الذي يبقى أثره بعد رحيل صاحبه.

البداية من القرآن الكريم والكتاتيب:

ولد عام 1365 هـ، بالحليلة، وكانت أولى خطواته في طريق العلم من الكتاتيب، حيث تلقى القرآن الكريم على يد إحدى المطوعات «الكتاتيب»، كما كان دأب كثير من أبناء ذلك الجيل، الذين كانت الكتاتيب تمثل مدارسهم الأولى، يتعلمون فيها القراءة والكتابة، ويتعلمون قراءة القرآن الكريم، ويتربون على الأخلاق والقيم الإسلامية.

 

وقد أتمّ قراءة القرآن الكريم في سن مبكرة، فكانت هذه البداية المباركة هي الأساس الذي بُنيت عليه شخصيته العلمية والإيمانية؛ إذ لم يكن القرآن بالنسبة إليه مجرد كتاب يُتلى، بل كان مدرسةً غرست فيه الانضباط، والصبر، وحب التعلم، وربطت بين العلم والإيمان، وبين المعرفة والعمل.

بداية التعليم النظامي:

بعد أن أتقن قراءة القرآن الكريم، التحق بالتعليم النظامي مع افتتاح المدرسة الابتدائية في بلدته الحليلة، فدرس فيها الصفين الأول والثاني الابتدائي.

غير أن ظروف تلك المرحلة لم تكن سهلة؛ إذ كانت المدارس تعتمد على نظام السلفة في تمويلها، ومع تعرض المدرسة لصعوبات مالية أُغلقت، فتوقفت الدراسة فيها، ولم يعد في بلدته مجال لمواصلة تعليمه.

لكن توقف المدرسة لم يكن نهاية لطموحه، بل كان بداية مرحلة جديدة من الكفاح.

رحلة التعليم:

انتقل إلى بلدة الكلابية ليواصل تعليمه، وهناك أكمل الصف الثالث الابتدائي، مواصلًا رحلته في طلب العلم رغم ما كان يرافقها من مشقة التنقل.

ولما ضاقت به السبل التعليمية في المنطقة، قرر خوض رحلة طويلة وشاقة إلى مدينة طريف للإقامة عند أخيه أبي زاهر أحمد الكشي، في زمن كانت فيه وسائل السفر محدودة، والطرق وعرة، والتنقل بين المدن يحتاج إلى صبر وعزيمة.

لم يكن قد تجاوز مرحلة الطفولة، ومع ذلك مضى وحده في هذه الخطوة الجريئة، وكأن ملامح شخصيته المستقبلية كانت قد بدأت تتشكل مبكرًا؛ فقد امتلك علو الهمة، وسعة الطموح، والإرادة التي لا تعرف التردد.

وفي طريف أكمل الصف الرابع الابتدائي، ثم اغتنم فرصة كانت متاحة آنذاك، فاستطاع خلال عام دراسي واحد أن ينجز الصفين الخامس والسادس الابتدائي، في إنجاز يعكس نبوغه واجتهاده ورغبته الصادقة في تعويض ما فاته من سنوات الدراسة.

بعد إنهاء المرحلة الابتدائية، حاول مواصلة تعليمه المتوسط في عرعر، إلا أن طلبه للالتحاق بالمدرسة اعتذر عنه بسبب اكتمال عدد المقاعد.

ولم يكن هذا الاعتذار سببًا لليأس أو التراجع، بل دفعه إلى البحث عن فرصة أخرى، فانتقل إلى الجوف، وهناك بدأ دراسة الصف الأول المتوسط، مؤكدًا أن طالب العلم لا توقفه العقبات، وإنما يبحث عن طريق جديد كلما أُغلق أمامه طريق.

بين العمل والدراسة:

بعد ذلك التحق بالعمل في شركة أرامكو السعودية لمدة ثلاث سنوات، لكنه لم يجعل الوظيفة نهاية لمسيرته العلمية، بل واصل تعليمه بالتزامن مع عمله، فأكمل الصفين الثاني والثالث المتوسط بنظام المنازل خلال فترة عمله في الشركة.

وهذه المرحلة تكشف عن شخصية تؤمن بأن العلم لا يتعارض مع العمل، وأن الإرادة الصادقة قادرة على الجمع بين المسؤوليات المهنية والطموح العلمي.

إلى الرياض… مرحلة جديدة من الطموح:

بعد أن أنهى المرحلة المتوسطة، استقال من عمله في أرامكو، واتخذ قرارًا جريئًا بالانتقال إلى مدينة الرياض من أجل مواصلة تعليمه.

فالتحق بالكلية الحربية، وأكمل هناك المرحلة الثانوية «القسم العلمي»، وحقق فيها تفوقًا متميزًا، ثم واصل دراسته العسكرية في كلية الملك عبد العزيز الحربية لمدة سنتين، تلقى خلالهما علومًا عسكرية متخصصة، حتى تخرج برتبة ملازم عام 1390 - 1391 هـ، لتبدأ بعد ذلك مسيرته العملية والعسكرية.

وكان من الطلاب المتميزين في الكلية العسكرية ومن أوائل ذلك الجيل الذين نالوا رتبًا عسكرية عالية، وقد تدرج بعد ذلك في حصد الرتب العسكرية، توّجها أخيرًا بحصوله على رتبة مقدم في قوة الدفاع الجوي.

لقد جمع بين التفوق العلمي والانضباط العسكري، وكان مثالًا للإنسان الذي يرى أن بناء العقل لا يقل أهمية عن بناء الشخصية.

وقد أسهم في تدريب أجيال من الضباط ونقل إليهم تجربته وخبرته العسكرية وغرس فيهم حب الوطن.

العلم لا يتوقف عند سن معينة:

ولم يتوقف عطاؤه العلمي عند التخرج أو الالتحاق بالوظيفة، بل ظل يؤمن بأن التعلم مشروع عمر لا ينتهي.

في العام 1397 التحق بجامعة الملك عبد العزيز بجدة انتسابًا وحصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال،

وبعد ذلك مباشرة توجها بحصوله على درجة الماجستير في إدارة المستشفيات من الجامعة نفسها، ويُعدُّ من الرعيل الأول الذين حصدوا مثل هذه الدرجة العلمية العالية في ذاك الوقت، في وقت كانت فيه الدراسات العليا محدودة، وكان الوصول إليها يتطلب جهدًا استثنائيًا وإصرارًا كبيرًا.

وهذا يدل على أن طلب العلم عنده لم يكن مرتبطًا بعمر معين، ولا بمرحلة دراسية محددة، وإنما كان مسيرةً متواصلةً تهدف إلى تطوير الذات وخدمة المجتمع.

عصامي صنع نفسه بالعلم:

لم يكن طلب العلم عند أبي نضال مرحلةً تنتهي بالحصول على شهادة، بل كان أسلوب حياة لازمه منذ شبابه وحتى آخر عمره. فقد عُرف بشغفه الكبير بالقراءة، وبإيمانه العميق بأن الإنسان لا يتوقف عن التعلم ما دام حيًا.

كان، رحمه الله، من شدة حبه للعلم يواصل المذاكرة إلى ساعات متأخرة من الليل، منكبًا على كتبه وأوراقه، لا يثنيه التعب ولا يضعف عزيمته الإرهاق. وكانت ساعات الليل بالنسبة إليه فرصة للتركيز والبحث والتحصيل، فلم يكن يضيع وقته فيما لا ينفع، بل كان يستثمره في بناء نفسه وتوسيع مداركه.

وقد تميز بجلدٍ عجيب في طلب العلم، وإصرارٍ لا يعرف الفتور، وعزيمةٍ جعلته يتجاوز كثيرًا من العقبات التي واجهها في حياته الدراسية. فما كان يؤمن بأن النجاح يُنال بالموهبة وحدها، وإنما بالاجتهاد، والصبر، والمثابرة، والاستمرار في التعلم.

وكان أبو نضال مثالًا واضحًا للإنسان العصامي، الذي صنع نفسه بنفسه، فلم ينتظر الظروف المثالية، ولم يجعل قلة الإمكانات أو صعوبة الحياة عذرًا للتراجع، بل عمل على تطوير ذاته باستمرار، وجعل من القراءة والمعرفة رفيقين دائمين له.

ولم يقتصر اهتمامه على تخصص واحد، بل اتسعت دائرة اطلاعه لتشمل مجالات علمية وثقافية وفكرية متعددة. فكان يقرأ في الإدارة، والتاريخ، والأدب، والثقافة العامة، والسياسة، والاقتصاد، إلى جانب اهتمامه بشؤون المجتمع، مؤمنًا بأن الثقافة الواسعة تمنح الإنسان قدرةً أكبر على الفهم، وسعةً في الأفق، وحكمةً في اتخاذ القرار.

ولهذا لم يكن حديثه حديث إنسان قرأ كتابًا أو كتابين، وإنما حديث رجلٍ بنى ثقافته عبر سنوات طويلة من القراءة المنتظمة، والمتابعة المستمرة، والحوار الهادف. وكان يرى أن العلم الحقيقي لا يقف عند حدود الشهادة، وإنما يظهر في سعة المعرفة، وعمق الفهم، وحسن توظيف ما يتعلمه في خدمة الناس.

لقد آمن أبو نضال بأن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله إذا امتلك الإرادة، وأن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه المرء لنفسه هو الاستثمار في عقله، ولذلك بقي طوال حياته طالب علم، يقرأ، ويتعلم، ويطور نفسه، حتى أصبح مثالًا للعصامية، ورمزًا للإصرار، وقدوةً لكل من يؤمن بأن النجاح ثمرة المثابرة،

مجالس العلم والحوار… مدرسة في صناعة الوعي:

ذكر الأستاذ جمال الكشّي أن عمه أبا نضال كان في نقاش علمي دائم مع والده علي الكشّي «أبو جمال». ولم تكن تلك المجالس أحاديث عابرة أو لقاءات اجتماعية تقليدية، بل كانت مجالس علم وثقافة وفكر، يتبادلان فيها الآراء، ويناقشان ما يقرآنه من كتب ومقالات وقضايا فكرية متنوعة.

وكان أبو نضال حريصًا على تزويد أخيه بكل جديد في عالم المعرفة، فكان يجلب له الكتب والجرائد والمجلات الصادرة من العراق والكويت ولبنان ومصر، ومن بينها جريدة الأهرام، التي كانت آنذاك من أبرز الصحف العربية وأكثرها ثراءً في مادتها الثقافية والفكرية. ولم تكن هذه المطبوعات متوافرة بسهولة في الأحساء في تلك الفترة، ولذلك كان وصولها يمثل نافذة واسعة يطلان منها على ما يدور في العالم العربي من أفكار واتجاهات ثقافية.

ولم يكن هدف أبي نضال مجرد توفير مصادر القراءة، وإنما تحويل القراءة إلى حوار حي. فبعد الفراغ من القراءة كان يجلس مع أخيه يناقشان ما ورد في تلك الكتب والصحف، ويتبادلان الرأي حول الأفكار، ويحللان القضايا المطروحة، ويقارن كل منهما بين ما يقرأه وما يراه من واقع الحياة.

وهذا الأسلوب في التعلم يكشف عن فهم عميق لقيمة المعرفة؛ فالعلم لا ينمو بمجرد القراءة، وإنما يزداد رسوخًا بالنقاش، وتتضح أبعاده بالحوار، وتنضج الأفكار عندما تُعرض على العقول المختلفة.

لقد أدرك أبو نضال أن الكتاب يفتح باب المعرفة، أما الحوار فيفتح باب الفهم، ولذلك كان يحرص على أن تتحول كل قراءة إلى جلسة علمية تثري الفكر، وتوسع الأفق، وتنمي القدرة على التحليل والنقد.

كما تكشف هذه المجالس عن اهتمامه البالغ بنشر العلم، فلم يكن يكتفي ببناء نفسه، بل كان يرى أن المعرفة رسالة ينبغي أن تنتقل إلى من حوله، بدءًا من أسرته وأقرب الناس إليه. وكان يؤمن بأن الأسرة التي تتشارك القراءة، وتتبادل الأفكار، وتناقش القضايا، تصنع جيلاً أكثر وعيًا وثقافة وقدرة على مواجهة الحياة.

وقد أثمرت هذه البيئة العلمية ثمارًا واضحة؛ إذ نشأ أبناء الأسرة وهم يرون الكتاب جزءًا من الحياة اليومية، والحوار وسيلة لاكتساب المعرفة، فانعكس ذلك على اهتماماتهم العلمية والثقافية، وأسهم في تكوين شخصيات قيادية ومتعلمة كان لها حضورها في المجتمع.

إن هذه الصورة من حياة أبي نضال تقدم درسًا مهمًا؛ فبناء العقول لا يحتاج دائمًا إلى قاعات دراسية، بل قد يبدأ من مجلس عائلي يجتمع فيه أفراد الأسرة حول كتاب، أو صحيفة، أو فكرة، يتحاورون حولها في احترام، ويستمع بعضهم إلى بعض، فيتحول البيت إلى مدرسة، والحوار إلى وسيلة للتربية، والقراءة إلى أسلوب حياة.

وهكذا لم يكن أبو نضال قارئًا للكتب فحسب، بل كان صانعًا لثقافة الحوار، ومؤمنًا بأن تبادل المعرفة بين أفراد الأسرة هو أحد أهم أسباب نهضة الإنسان واتساع أفقه، وأن الأمم التي تقرأ وتتحاور هي الأمم الأقدر على التقدم وصناعة المستقبل.

ميراث العلم… أثر أبي نضال في مسيرة جمال الكشّي:

لم يقتصر أثر أبي نضال عبد الله حسين الكشّي على إنجازاته العلمية ومسيرته الشخصية، بل امتد ليصنع رجالًا حملوا رسالته في حب العلم والطموح والتميز، وكان من أبرزهم ابن أخيه الأستاذ الشخصية الوطنية الرائدة جمال علي الكشّي.

فقد كان جمال ينظر إلى عمه نظرة الابن إلى أبيه، بل كان يصفه بأنه أبوه الثاني، ولا يقل في مكانته عن والده علي الكشّي «أبو جمال». وقد نشأت بينهما علاقة استثنائية امتزج فيها الحنان بالتربية، والمحبة بالتوجيه، حتى ظل أبو نضال قريبًا من ابن أخيه إلى آخر أيام حياته، وكان يأنس بسماع صوته، ويجد في قربه راحة وسرورًا.

ولم تكن هذه العلاقة عاطفية فحسب، بل كانت علاقة تربوية وعلمية عميقة. فقد آمن أبو نضال بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء عقله، ولذلك كان يحرص على تشجيع جمال على مواصلة دراسته، ويزوده بالكتب ويؤكد له دائمًا ألا يكتفي بأي مرحلة علمية، بل يجعل طلب العلم مشروعًا مستمرًا لا يتوقف عند شهادة أو وظيفة.

وكان جمال يلازم عمه، ولا سيما في الإجازات الصيفية، حيث كان يصطحبه معه إلى الرياض والظهران، فيعيش معه تفاصيل حياته العملية والعلمية، ويتأمل شخصيته عن قرب، ويراقب أسلوبه في التفكير، وإدارته للأمور، وعلاقاته بالناس. كما كان يحرص على أن يجلسه مع الضباط وكبار المسؤولين الذين يعمل معهم، ليكتسب من مجالسهم الخبرة، ويتعلم فن الحوار، والثقة بالنفس، وآداب التعامل مع القيادات.

ومن جانب آخر، كانت البيئة العلمية التي صنعها أبو نضال داخل الأسرة سببًا في صقل شخصية جمال.

وقد نشأ جمال في ظل هذه البيئة الفكرية، فشهد بنفسه قيمة الحوار العلمي، وأثر القراءة، واحترام الرأي، وأدرك أن الثقافة لا تُبنى بالحفظ وحده، وإنما بالنقاش والتأمل وتبادل الأفكار.

ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن يصبح الأستاذ جمال الكشّي واحدًا من الشخصيات القيادية البارزة في القطاع المصرفي، وأن يتدرج في مناصب تنفيذية رفيعة؛ فتولى منصب الرئيس التنفيذي ونائب الرئيس التنفيذي للمجموعة في بنك الخليج الدولي، كما شغل مناصب قيادية في دويتشه بنك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتولى رئاسة شركة دويتشه العربية السعودية للأوراق المالية، إلى جانب عضويته في مجلس إدارة المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، بعد مسيرة طويلة في القطاع المصرفي والاستثماري. كما حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال تخصص الخدمات المصرفية والتمويل من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وبكالوريوس العلوم في الهندسة والعلوم النووية من جامعة ولاية أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا يتجلى أثر أبي نضال في حياة ابن أخيه جمال؛ فلم يكن مجرد عمٍّ قريب، بل كان مربّيًا، وموجّهًا، وصانعًا للطموح، وغارسًا لقيمة العلم. لقد آمن بأن أعظم ميراث يتركه الإنسان ليس المال ولا المناصب، وإنما إنسانٌ يحمل رسالة العلم، ويواصل طريق البناء والعطاء، وهو ما نراه جليًا في المسيرة المميزة للأستاذ جمال الكشّي.

شغفٌ بالعلم لا يعرف العمر:

ابتعث أبو نضال مع ابنته أمان عام 2009 ضمن بعثات خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبد الله رحمه الله، وكان مرافقًا لها، وقد تجاوز الستين من العمر.

إلا أنه لم يرضَ أن يكون وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية مقتصرًا على دور المرافق، بل رأى في تلك الفرصة بابًا جديدًا للتعلم، فالتحق بأحد المعاهد لدراسة اللغة والرياضيات، مؤمنًا بأن طلب العلم لا تحدّه السنون، ولا تقف في وجهه الأعمار.

وكان أكبر طالب في المعهد، إذ كان عمره يقارب أربعة وستين عامًا، الأمر الذي أثار إعجاب مديرة المعهد وأساتذته وزملائه في ولاية ميتشيجان. فقد كانوا يستغربون من حرصه الشديد على التعلّم، ومواظبته على حضور الدروس، واهتمامه بكل ما يُكلَّف به من واجبات.

وكان ينجز واجباته المنزلية بكل جدية وإتقان، وكأنه طالب في مقتبل العمر، لا يشغله عنها شاغل، ولا يتهاون في أداء أي مهمة تُطلب منه. وقد عكس هذا الالتزام روحًا علمية أصيلة، وإيمانًا راسخًا بأن الإنسان يبقى طالبًا للعلم ما دام في حياته بقية.

لقد كانت هذه المرحلة شاهدًا حيًّا على شخصيته المحبة للمعرفة، وعلى أن الشغف بالعلم لا يرتبط بعمرٍ معين، بل بإرادةٍ صادقة، وعزيمةٍ لا تعرف التراجع. فمن عرف أبا نضال أدرك أن التعلم عنده لم يكن مرحلةً من مراحل الحياة، وإنما كان منهجًا عاش به، ورسالةً حملها حتى آخر العمر.

العلم قيمة تربوية:

ولعل أعظم دليل على أن حب العلم كان جزءًا من شخصيته، أنه انعكس بوضوح على تربية أبنائه وبناته.

فالبيت الذي يقدّر العلم، ويُعلي من شأنه، ويجعل القراءة والتعلم جزءًا من حياته اليومية، يثمر أبناءً يحملون الرسالة نفسها.

فقد أصبحت أربعٌ من بناته طبيباتٍ في تخصصاتٍ متنوعة، هي: الطب العام، وطب الطوارئ، والأشعة، والأنف والأذن والحنجرة، بينما تخصصت ابنته الخامسة في المختبرات الطبية، كما كان ابنه المرحوم حسين طبيبَ أسنان.

أما ابنه الأكبر نضال، فقد تخرّج في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، متخصصًا في هندسة النظم الصناعية وبحوث العمليات، في حين نال ابنه أحمد درجة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة لورنس التكنولوجية «Lawrence Technological University» بولاية ميشيغان الأمريكية.

وحصلت إحدى بناته على درجة الماجستير في الإدارة، ليكتمل بذلك مشهد أسرةٍ جعلت من العلم رسالةً، ومن التفوق الأكاديمي نهجًا سار عليه أفرادها، امتدادًا لما غرسه فيهم والدهم من حبّ المعرفة، والإيمان بقيمة التعليم، والإصرار على طلب العلم.

وهذا يعكس البيئة العلمية التي نشأوا فيها، والتشجيع المستمر على طلب المعرفة، واختيار التخصصات التي تخدم الإنسان والمجتمع.

وهكذا لم يكن أثره العلمي مقتصرًا على نفسه، بل امتد إلى أسرته، فأصبح العلم إرثًا تتناقله الأجيال.

الجهاد الحقيقي:

لقد كان أبو نضال يجاهد نفسه في سبيل العلم؛ يجاهد الكسل بالمثابرة، ويجاهد المشقة بالصبر، ويجاهد صعوبة التنقل بالإصرار، ويجاهد ضيق الفرص بالبحث عن بدائل، ويجاهد الانشغال بالعمل بمواصلة الدراسة، حتى أصبح مثالًا حيًا لأن الإرادة الصادقة قادرة على صناعة النجاح.

وهذا هو أحد المعاني الراقية للجهاد؛ أن يبذل الإنسان وسعه فيما ينفع دينه ووطنه ومجتمعه.

وقد قال النبي ﷺ:

«منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ.» [1] 

وفي رواية: ”مَن سَلَكَ طَرِيقاً يَلتَمِسُ فِيهِ عِلماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلى الجَنَّةِ“ [2] 

فالطريق إلى العلم طريق عبادة، وكل خطوة فيه لها أجرها وثوابها إذا صلحت النية.

العلم الذي يبقى بعد الرحيل:

في اليوم الأول من شهر صفر من عام 1448 هـ، أسدل الستار على رحلةٍ طويلة من العطاء، وانتقل أبو نضال عبد الله حسين الكشي إلى جوار ربه، بعد عمرٍ أفناه في العمل، وبذله في طلب العلم، وإيمانه بأن المعرفة هي أعظم ما يبنيه الإنسان في نفسه، وأبقى ما يتركه لمن بعده.

يرحل الناس، وتُوارى أجسادهم الثرى، لكن ليست كل حياة تنتهي بالرحيل؛ فهناك من يخلّف مالًا يفنى، وهناك من يخلّف جاهًا يزول، وهناك من يترك علمًا وأثرًا يبقيان ما بقي المنتفعون بهما. ومن أعظم النعم أن يكتب الله للإنسان أثرًا صالحًا يمتد بعد وفاته، فيبقى حاضرًا في العقول والقلوب، وإن غاب عن الأبصار.

لقد كانت حياة أبي نضال شاهدًا على هذه الحقيقة. فمنذ طفولته المبكرة، بدأ رحلته مع العلم في الكتّاب، حيث تعلّم القرآن الكريم ونهل من مبادئه وقيمه، ثم مضى في مسيرته التعليمية متنقلًا بين الحليلة، والكلابية، وطريف، وعرعر، والجوف، والرياض، في زمنٍ لم تكن فيه وسائل التعليم ميسّرة، ولا السفر سهلًا، ولا المدارس متوافرة في كل مكان.

واجه صعوبات الطريق بثبات، وتجاوز العقبات بعزيمة، فلم توقفه قلة الإمكانات، ولا إغلاق بعض المدارس، ولا مشقة التنقل بين المدن. كان يرى أن كل خطوة يخطوها نحو العلم تقرّبه من غايةٍ سامية، وأن المعرفة تستحق الصبر والتضحية.

ولم يكن طلب العلم عنده مرحلةً تنتهي بالحصول على وظيفة أو شهادة، بل كان أسلوب حياة. فقد جمع بين مسؤوليات العمل ومواصلة الدراسة، حتى نال درجة الماجستير، مؤكدًا أن التعلم لا تحدّه السنون، ولا تقف دونه المسؤوليات، وأن الإنسان يبقى طالب علم ما دام في قلبه شغف بالمعرفة.

ثم انعكس هذا الإيمان العميق بالعلم على بيته وأسرته، فكان قدوةً لأبنائه وبناته، يغرس فيهم حب القراءة، والانضباط، والاجتهاد، واحترام المعرفة. ولم يكن يوصيهم بالعلم قولًا فحسب، بل كان يعلّمهم بسيرته قبل كلماته، وبأفعاله قبل توجيهاته، حتى أصبح حب التعلم جزءًا من هوية الأسرة، وامتد أثره إلى الأجيال التي جاءت من بعده.

وهكذا تحققت فيه معاني قول النبي ﷺ:

«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».

إن هذا الحديث لم يكن عند أبي نضال نصًا يُتلى فحسب، بل منهجًا عاشه واقعًا؛ فقد سلك طريق العلم منذ صغره، وظل متمسكًا به حتى آخر عمره، فكان العلم رفيق رحلته، وعنوان شخصيته، وأحد أعظم أسباب أثره في أسرته ومجتمعه.

واليوم، وبعد أن انتقل إلى رحمة الله، لم ينقطع حضوره؛ فما زرعه من قيم، وما بثّه من حب للعلم، وما تركه من سيرةٍ مضيئة، لا يزال حيًا في نفوس من عرفوه، وفي حياة من تربّوا على يديه، وفي كل نجاح كان هو أحد أسبابه.

رحم الله أبا نضال عبد الله حسين الكشي رحمةً واسعة، وأجزل له المثوبة، وجعل كل خطوة خطاها في سبيل العلم، وكل مشقة تحملها في طلبه، وكل قيمة غرسها في نفوس أبنائه وتلامذته، في ميزان حسناته. وجعل سيرته شاهدًا على أن الإنسان قد يغيب عن الدنيا، لكن العلم النافع، والتربية الصالحة، والأثر الطيب، تبقى حياةً أخرى لا تنتهي.

[1]  منية المريد، الشهيد الثاني، ص 107، بلغة الفقيه، ج 3، السيد محمد بحر العلوم، ص 226

[2]  المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج 4، الفيض الكاشاني، ص 42، سفينة النجاة، الشيخ محمد بن عبد الفتاح «سراب التنكابني»، ص 376، شبهات الملحدين والإجابه عنها، محمد جواد مغنية، ص 100، الجنة والنار في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص 180، موسوعة العقائد الإسلامية، ج 2، محمد الريشهري، ص 243
استشاري طب أطفال وحساسية