آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 8:48 م

من هجرة الكفاءات إلى جذب المواهب...

كيف غيّرت رؤية السعودية 2030 قواعد المنافسة الاقتصادية؟

أحمد مكي الجصاص * صحيفة مال

لم تعد الثروة الحقيقية تُقاس بما تختزنه الأرض من موارد، بل بما تمتلكه الدول من عقول قادرة على الابتكار والإنتاج، ولهذا أصبحت هجرة الكفاءات، أو ما يُعرف بـ ”هجرة الأدمغة“، واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مستقبل الاقتصادات النامية، لأنها تعني خسارة رأس المال البشري الذي يمثل المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي المستدام.

تعتمد الاقتصادات الحديثة على المعرفة أكثر من اعتمادها على الموارد الطبيعية، فالمهندس والطبيب والباحث والمبرمج ورائد الأعمال ليسوا مجرد موظفين، بل أصول إنتاجية تخلق قيمة مضافة وتدفع عجلة الابتكار، وعندما يهاجر هؤلاء، فإن الدولة لا تفقد أفرادًا فقط، بل تخسر استثمارات بملايين الدولارات أُنفقت على تعليمهم وتأهيلهم، بينما تستفيد الدول المستقبلة من هذه الاستثمارات دون أن تتحمل تكلفتها.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين تجاوز 304 ملايين شخص في عام 2024، مع تصاعد المنافسة العالمية على الكفاءات في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والطب والهندسة، بينما تؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ”OECD“، أن الطلب على أصحاب المهارات العالية يواصل الارتفاع في الاقتصادات المتقدمة.

اقتصاديًا، لا يقتصر أثر هجرة الأدمغة على نقص الكفاءات، بل يمتد إلى انخفاض الإنتاجية، وتراجع الابتكار، وإبطاء نقل المعرفة، وضعف القدرة على بناء صناعات ذات قيمة مضافة، ورغم أن تحويلات المهاجرين المالية تمثل مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي في كثير من الدول النامية، فإنها لا تستطيع تعويض خسارة رأس المال البشري، لأن الأموال تُستهلك، بينما العقول تُنتج المعرفة، وتؤسس الشركات، وتخلق الوظائف، وترفع الناتج المحلي لعقود.

لكن التجارب الاقتصادية الحديثة أثبتت أن المشكلة ليست في هجرة الكفاءات بحد ذاتها، بل في قدرة الدولة على استعادتها أو الحفاظ عليها، وهنا تبرز ”رؤية السعودية 2030“، كنموذج مختلف في التعامل مع هذه القضية.

فعند إطلاق الرؤية عام 2016، كان أحد أهدافها بناء اقتصاد قائم على المعرفة، والاستثمار في الإنسان باعتباره أهم أصول التنمية، ومن خلال برامج مثل برنامج تنمية القدرات البشرية، والتوسع في الابتعاث، وإطلاق قطاعات اقتصادية جديدة كالسياحة، والتقنية، والصناعات العسكرية، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، بدأت المملكة في تحويل سوق العمل إلى بيئة أكثر جاذبية للكفاءات.

وتؤكد نتائج الرؤية هذا التحول، فقد انخفض معدل البطالة بين السعوديين من 12.3% عند إطلاق الرؤية إلى نحو 7.2% في عام 2025، كما وفر صندوق تنمية الموارد البشرية أكثر من 222 ألف فرصة وظيفية للمواطنين خلال عام 2025، في مؤشر يعكس توسع الاقتصاد في استيعاب الكفاءات الوطنية.

ولذلك يمكن القول إن رؤية 2030، نجحت في تقليل دوافع الهجرة، ورفع جاذبية البقاء، والأهم أنها بدأت تحول المملكة من دولة تخشى فقدان الكفاءات إلى دولة تتنافس على استقطابها من الداخل والخارج.

ويبقى التحدي القادم هو تعميق الاستثمار في البحث والتطوير، وزيادة الإنفاق على الابتكار، وربط الجامعات بالصناعة، وتهيئة بيئة تسمح للكفاءات ليس فقط بالعمل، بل بالاختراع وريادة الأعمال وصناعة التقنيات المستقبلية.

إن الدول لا تنهض بكثرة سكانها، بل بكفاءة عقولهم، وفي الاقتصاد الحديث، قد يكون استثمار واحد في باحث أو مبتكر أكثر قيمة من استثمار بمليارات الريالات في مورد طبيعي، فالعقول هي المورد الوحيد الذي تزداد قيمته كلما استثمرت فيه، والدولة التي تنجح في الاحتفاظ بكفاءاتها واستقطاب غيرها، لا تبني اقتصادًا قويًا فحسب، بل تصنع مستقبلًا أكثر تنافسية واستدامة.

مستشار الموارد البشرية