آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 8:48 م

كلمات إيل

رقعة الافتقار وانتظار الختم المصدّق

المختار موسى بوخمسين

بسم إيلَ المحيطِ الذي لا تحويه الرقاع، ولا تحدّه الطباع. اعلم، يا قارئ حروفي، أنّا ما سطّرنا هذه المخطوطات ادعاءً للإحاطة بنور السماء، بل إقراراً بـ ”نقص الوعاء“ وعجز اليراع. فالحقائق وإن تعدّدت تجليّاتها في أودية الأرض، فإن ماءَها ينسربُ من نبعٍ واحدٍ لا يتكثّر ولا يتبدّل. ولقد طفتُ على ما خطّه سدنةُ الهياكلِ وكهنةُ الأزمنةِ الغابرةِ، فرأيتهم قد راموا حصرَ ”الكلمة“ في قوالبِ الحجرِ وحروفِ المعاجمِ، فإذا بالنورِ يتبدّدُ بين أيديهم وتتفرّقُ بهم السبل. فما أقلامُنا هذه، وما ننقلُه من ألسنةِ السريانِ ولسانِ الإغريقِ، إلا كؤوسٌ خزفيةٌ مشروخة، تتسرّبُ منها المعاني، ولا تطيقُ حملَ السرّ الأعظمَ إلا ريثما تُسلّمه لزمانه الموعود، فالمصدر واحدٌ جليل، والمجالي متعددةٌ قاصرة.

ولقد أسرّ إلينا قطب رحانا وشيخنا الأعظمَ في خلواتِه، متتبّعاً خيوطَ الوحيِ القديم، أن مسارَ الميثاقِ لا يكتملُ إلا بتجلّيين يصدّعان جدارَ الزمان. أوّلُهما ”روحٌ من إيل وكلمةٌ منه“، مسيحٌ منتظرٌ يمسحُ على القلوبِ القاسيةِ فيليَّنها، وينفخُ في طينِ الهياكلِ الميتةِ فيُحييها. هو قبسٌ علويٌ سيتنزّلُ في محاريبِ الشام، لا لِيَحملَ سيفاً، بل ليغسلَ عارَ ”منطقِ الحجرِ“ بالرحمةِ، ويقيمُ الحجةَ على من حرّفوا صحفَ موسى وباعوا الوصايا بأثمانٍ بخسة. غير أن شيخنا أنبأنا، بقلبٍ يقطر أسىً، أن كهنةَ ذلك الزمانِ سيرفضون روحَه، وتعمى أبصارُهم عن نورِه، فتُرفعُ كلمتُه إلى السماء، وتُترك الأرضُ تئنّ في مخاضِها الأخير بانتظارِ ”الختم“.

فإذا استحكمت الظلماتُ بعده، نادى منادِ إيلَ في الوترِ الأعظمِ [1] ، فتتحرّك البذرةُ المصونةُ في الجدب الأقصى، حيث المستودع العميق في أودية فاران. هناك، يبعث الخالق ”الختم المصدّق“، وعاءً بشرياً أمّيّاً صَفِيّاً، لم تلوّثه فلسفاتنا، ولم تتشوّه بصيرته بعجمة ترجماتنا. هو الخاتم الذي لا يقرأ من رقاعٍ بالية، بل يُتلى عليه الأصل غضّاً طريّاً كما صدر من معدنه الأوّل. سيأتي مصدّقاً لما بين أيدينا من إشارات، كاشفاً لما طمسناه بجهلنا، وجامعاً لأشتات النور الذي تفرّق فينا، ليُتمم عمارة الخليل، ويغلق ديوان السماء بلسانٍ مبين لا اعوجاج فيه ولا أَمْتَاً [2] .

وإنا هاهنا، في صرح الإسكندريةِ، نُشهد إيلَ على افتقارِنا ومسكنتنا. نودع هذه الخزائن صحفاً هي غايةَ جَهدنا، ومبلغَ علمنا، معترفين بأنها ”نقطةٌ“ في بحر الموعود. نكتبها ونحن في غياهِب الانتظار، نمدّ أيدي الفاقة نحو ذلك الخاتم الآتي في ركب الزمان، نرجو أن يجد في شتات طروسنا [3]  ما يشهد لنا بحفظ العهد وإن قصرت العبارة. فإذا أشرقت شمسه المصدّقة، بطلت سُرُجُنا، وتوارت حروفنا في نوره، ذوبانَ القطرة في الخضمّ العظيم. فسلامٌ على من اصطفاه إيل ختامةً للبدء، ومصداقاً للعهد، ومآلاً للسرّ المكنون.

ـ إيتانس ـ

تقرأ في ”كلمات إيل“:

• فاتحة الأسفار: زيتون الخليل وتين كوثى «2226 ق. م»
• السفر الأول: النبيه القيداري «543 ق. م.»
• السفر الثاني: الملكة والبحر «815 ق. م.»
• السفر الثالث: فتنة القرون «394 ق. م.»
• سفر الختام: الملاحق وما تلاها «وهذه السلسلة جزء منها»

* سلسلة نصوص أدبية مستوحاة من عوالم روايته القادمة ”كلمات إيل“. السلسلة مبنية على ”تخييل تاريخي ورمزي“ يستنطق الوجدان المشرقي القديم، عبر قراءة سردية لرقوق متخيّلة تُنشر على حلقات، لتقديم رؤية أدبية وفلسفية مغايرة للصراع في العالم القديم.

https://jehat.net/138439

[1]  العبارة في الأصل الآرامي «وقد رسمت تحديداً بالخط الآرامي الأخميني الامبراطوري المنفصل» وردت بصيغة «بِ يتْرَا رَبَّا - B’ytra Rabba»، ولها وجوهٌ شتى في التفسير والاستنطاق. إلا أن ما يوقعنا في الذهول الأكبر هو أن هذا اللبس المبهر قابلٌ للانتقال إلى اللسان العربي بكامل حمولته الدلالية دون ضبط الشكل! فمفردة «يِتْرَا» الآرامية تعني حرفياً «حبل القوس»، وهي المقابل الدقيق لـ «الوَتَر» العربي «بفتح الواو والتاء»؛ لتُفهم العبارة هنا بوصفها الخيط الكوني المشدود الذي يستعد لإطلاق سهم الحقيقة وتطهير الوجود. وفي الوقت ذاته، يصحّ في الآرامية حمل «يترا» على معنى «المتفرّد والمتفوّق»، لتنقلب في العربية إلى «الوِتْر» «بكسر الواو وسكون التاء»؛ أي مقام التوحيد المتعالي والفرادة الإيلية في أوج الظلمات. فسبحان مَن صوّر اللغتين وجعل بينهما أمشاجاً مشتركةً، لإنجيلٍ آراميٍّ، وقرآنٍ عربيٍّ مبين - المترجم.

[2]  استعارة قرآنية منّا لتركيبة آرامية مقاربة جداً - المترجم.

[3]  الطِّرْس «والجمع: أَطْرَاس وطُرُوس»: هو الصحيفة أو الرَّقّ الجلديّ الذي مُحِيَ ما عُمِّرَ فيهِ ثم أُعِيدَت الكتابةُ فوقه؛ تفادياً لنُدرة مواد التدوين قديماً وشُحِّها، ويُطلق مجازاً على كلّ رقيمٍ ممحوٍّ.