آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 8:48 م

إشراقات حياتية من مدرسة أبي نضال التربوية

من المواقف التربوية المضيئة في سيرة الراحل عبد الله حسين الكشي «أبو نضال» - أعلى الله درجاته - أنه لاحظ أن ابنه نضال - عندما كان يدرس في المرحلة الثانوية - لم يستخدم سيارته الخاصة لمدة ثلاثة أيام، وكان يستعير سيارة والده كلما احتاج إلى الخروج.

فسأله عن سبب ذلك، فأخبره بأن أحد إطارات سيارته قد نقص منه الهواء، وأنه لا يعرف كيفية تغيير الإطار، فترك السيارة على حالها، واكتفى باستخدام سيارة والده كلما احتاج إلى التنقل.

لم يغضب أبو نضال، ولم يكتفِ بإصلاح المشكلة نيابةً عن ابنه، بل رأى في هذا الموقف فرصةً تربوية لا تُعوَّض.

قام أبو نضال بتغيير الإطار المعطّل، وركّب الإطار السليم حتى أصبحت السيارة جاهزة للسير. لكن المفاجأة أنه بعد ذلك، أعاد تركيب الإطار الذي كان منخفض الهواء مكانه.

استغرب الابن هذا التصرف، وسأل والده: لماذا فعلت ذلك؟

فأجابه أبو نضال بكلمات تختصر فلسفةً كاملة في التربية:

”أنا علّمتك كيف تغيّر الإطار، وأنت شاهدتني عندما كنت أغيّره، والآن جاء دورك لتقوم بالمهمة بنفسك، وتركّب الإطار السليم.“

فكانت تلك الكلمات درسًا عمليًا ظلَّ راسخًا في ذاكرة الابن نضال، يرويها ويستشهد بها بين الحين والآخر، كلما أراد أن يبيّن قيمة التربية بالمواقف لا بالمواعظ. ولم يقف أثرها عند تلك الحادثة، بل ظل يستحضرها في مواقف حياتية عديدة، كلما واجه تحديًا أو مسؤولية، فكانت تذكره بأهمية الاعتماد على النفس، وتعلّم المهارات، وعدم انتظار الآخرين للقيام بما يستطيع الإنسان أن ينجزه بنفسه. وهكذا تحوّل ذلك الموقف البسيط إلى مبدأ تربوي رافقه في مسيرة حياته، وأصبح من الدروس التي بقي أثرها حيًا في ذاكرته وسلوكه.

التربية بالمواقف لا بالمواعظ:

كثيرٌ من الآباء يُكثرون من النصائح والتوجيهات، ويظنون أن كثرة الكلام كافية لبناء الشخصية، بينما تثبت التجارب أن المواقف العملية تترك في النفوس أثرًا أعمق وأبقى من آلاف الكلمات. فالموقف الذي يعيشه الابن، ويشارك فيه، ويتعلم من خلاله بنفسه، يتحول إلى خبرة راسخة تبقى معه طوال حياته.

لقد أدرك أبو نضال أن بإمكانه إنهاء المشكلة خلال دقائق معدودة؛ فكل ما يحتاجه الأمر هو تغيير الإطار أو تعبئته بالهواء، لكن نظرته لم تكن منصبة على حل المشكلة الآنية، بل على معالجة السبب الذي أدى إليها. فقد رأى أن المشكلة الحقيقية ليست في الإطار، وإنما في اعتماد الابن على غيره في أمر يستطيع أن يتعلمه ويقوم به بنفسه.

ومن هنا جاءت حكمته التربوية؛ فلم يكن هدفه أن يريح ابنه من الموقف، وإنما أن يصنع منه إنسانًا قادرًا على مواجهة المواقف المشابهة مستقبلاً. فالأب المربي لا يكتفي بحل مشكلات أبنائه، بل يزودهم بالمهارات التي تمكنهم من حل مشكلاتهم بأنفسهم.

وهذا من أعظم أساليب التربية؛ لأن الأبناء سيواجهون في حياتهم مواقف لا يكون الوالدان حاضرين فيها، ولن تنفعهم حينها كثرة النصائح التي سمعوها، وإنما سينفعهم ما اكتسبوه من مهارات وثقة بالنفس، وما تعلّموه من خلال التجربة والممارسة.

إن التربية الحقيقية ليست أن نزيل العقبات من طريق الأبناء، وإنما أن نعلّمهم كيف يتجاوزونها، وليست أن نقوم بالمهام نيابةً عنهم، وإنما أن نمنحهم القدرة على القيام بها بأنفسهم. فالاعتماد على النفس لا يولد فجأة، بل يُبنى بالتدرج، ويترسخ من خلال المواقف اليومية التي يحسن الوالدان استثمارها.

ولذلك كان هذا الموقف درسًا تربويًا بليغًا، جسّد فلسفة أبي نضال في التربية؛ فهو لم يربِّ أبناءه على الاتكالية وانتظار من يحل لهم المشكلات، وإنما ربّاهم على المبادرة، وتحمل المسؤولية، واكتساب المهارات، والثقة بالقدرة على مواجهة تحديات الحياة. وهذه القيم هي التي تبقى مع الإنسان، وتنفعه في كل مرحلة من مراحل عمره.

علّمني كيف أفعل:

ينطبق على هذا الموقف المثل المشهور:

”لا تعطِني سمكة، بل علّمني كيف أصطاد.“

فمن يحصل على الحل مرةً واحدة يستفيد مؤقتًا، أما من يتعلم طريقة الحل فإنه يمتلك المهارة طوال حياته.

قد يغيّر الإنسان إطار السيارة مرة واحدة، لكنه بعد أن يتعلم لن يتوقف عند إطار، بل ستتكوّن لديه الثقة التي تدفعه لتعلّم مهارات أخرى، والاعتماد على نفسه في كثير من شؤون الحياة.

بناء الشخصية المستقلة:

الاعتماد على النفس لا ينشأ فجأة عند الكبر، بل يُبنى منذ الصغر من خلال المواقف اليومية.

فالابن الذي اعتاد أن يجد من يحل جميع مشكلاته، سيصبح مع مرور الزمن مترددًا في اتخاذ القرار، ضعيف المبادرة، ينتظر دائمًا من ينقذه.

أما من تعلّم أن يبحث عن الحل بنفسه، وأن يواجه المواقف بثقة، فإنه يكتسب شخصية قوية قادرة على تحمل المسؤولية.

ولذلك كان أبو نضال يصنع في ابنه شخصيةً مستقلة، لا مجرد شخص يعرف تغيير إطار سيارة.

الحزم التربوي المحب:

قد يظن البعض أن الحزم يعني الشدة أو القسوة، بينما الحزم الحقيقي هو أن يمتنع المربي عن القيام بما يستطيع الابن أن يقوم به بنفسه.

لقد كان بإمكان أبي نضال أن يترك السيارة جاهزة وينتهي الأمر، لكنه كان يعلم أن الراحة المؤقتة قد تصنع ضعفًا دائمًا.

ومن هنا جاء موقفه حازمًا، لكنه مليء بالمحبة، لأنه أراد لابنه أن يكتسب مهارةً وثقةً بنفسه، لا أن يبقى معتمدًا على الآخرين.

تحويل المشكلة إلى فرصة للتعلم:

الإنسان الناجح لا يرى في المشكلات نهاية الطريق، وإنما يراها فرصة للتعلم.

وأبو نضال لم يرَ إطارًا معطلاً، بل رأى درسًا عمليًا في تحمل المسؤولية، واستثمارًا طويل الأمد في بناء شخصية ابنه.

وهذه من صفات المربين الناجحين؛ فهم يحوّلون المواقف اليومية البسيطة إلى دروس تبقى راسخة في الذاكرة.

التربية على مواجهة الحياة:

الحياة مليئة بالمواقف التي تحتاج إلى شجاعة، ومبادرة، وسرعة في اتخاذ القرار.

والأب الذي يعلّم أبناءه المهارات العملية، ويشجعهم على التفكير، ويجعلهم يواجهون المشكلات بأنفسهم، يكون قد هيأهم لمواجهة الحياة بثقة ونجاح.

أما كثرة التدخل في كل صغيرة وكبيرة، فإنها قد تُضعف شخصية الأبناء، وتجعلهم عاجزين عن التصرف عند غياب من اعتادوا الاعتماد عليه.

مسؤولية الآباء في صناعة الأبناء:

من أعظم أدوار الوالدين أن يصنعوا أبناءً قادرين على الاعتماد على أنفسهم.

فالابن لا يحتاج دائمًا إلى من يؤدي عنه العمل، بل يحتاج إلى من يثق بقدرته، ويمنحه الفرصة ليجرب، ويخطئ، ويتعلم، ثم ينجح.

وقد تكون بعض الأخطاء البسيطة في بداية الطريق أثمن من نجاحٍ سهل تحقق بجهد الآخرين.

رسالة أبي نضال إلى الأبناء:

لم يكن ما فعله أبو نضال مجرد تغيير لإطار سيارة، بل كان درسًا في التربية، ومدرسةً في بناء الشخصية، ورسالةً تقول إن الأب الحقيقي لا يكتفي بحل مشكلات أبنائه، وإنما يزوّدهم بالأدوات التي تمكنهم من حل مشكلاتهم بأنفسهم.

لقد جسّد هذا الموقف حكمةً تربوية خالدة: أن أفضل عطاء يقدمه الوالدان لأبنائهما ليس قضاء الحاجات، بل تعليم المهارات، وغرس الثقة، وبناء الشخصية القادرة على مواجهة الحياة.

فالأبناء الذين يتعلمون كيف يفكرون، وكيف يعملون، وكيف يتحملون المسؤولية، هم الأقدر، والخلاصة في ذلك:

لا تعطِ ابنك الحل دائمًا… بل علّمه كيف يصنعه.

استشاري طب أطفال وحساسية