آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 8:48 م

لماذا رأسك في محرك السيارة؟

أمجد القواعين

سألني ولد صديقي - حسن عبد - ذات يوم، وأنا أحاول إصلاح شيء ما لا أعرفه تحت غطاء محرك السيارة بثقة من لا يعرف ماذا يفعل لكنه يريد أن يبدو أنه يعرف، وهي ثقة خاصة يمتلكها الرجال تحديدًا أمام محركات السيارات والشوايات وأجهزة الراوتر، ثقة لا علاقة لها بالمعرفة الفعلية بل بالحاجة الماسة لعدم الاعتراف بالجهل أمام الحاضرين: «لماذا رأسك في محرك السيارة؟» فأجبته بالطريقة الكلاسيكية المعتمدة في تربية الأطفال عالمياً والمدرجة في كل الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ: «ضف وجهك». وضف وجهه صحيح. وبقيت أنا مع رأسي في المحرك لا أعرف ما المشكلة ولا كيف أحلها، ولا حتى ما الذي أنظر إليه بالضبط، لكني أعرف على الأقل كيف أُسكت سؤالاً.

لاحقاً، وأنا أفكر في الموضوع بعد أن اتصلت بالميكانيكي سرًا وطلبت منه ألا يأتي بسيارته الواضحة أمام الجيران، أدركت أنني ارتكبت جريمة صغيرة في حق ذلك الطفل. لأن سؤاله لم يكن غبياً، بل كان فلسفياً بامتياز: لماذا يدخل إنسان رأسه في آلة لا يفهمها؟ وهذا سؤال يمكن لأرسطو أن يكتب فيه فصلاً كاملاً عن العلاقة بين الإنسان والأداة، والوهم المعرفي، والكبرياء الذكوري أمام محرك السيارة، وهو فصل كنت سأستفيد منه شخصياً لو كُتب قبل ذلك اليوم.

الأطفال فلاسفة بالفطرة، وهذه ليست مجازًا شعريًا بل حقيقة مزعجة تثبتها أي رحلة في السيارة مع طفل عمره أربع سنوات لا يتوقف عن السؤال حتى تتمنى لو كان عندك زر إيقاف مؤقت للفضول. الطفل لم يتعلم بعد أن بعض الأسئلة «محرجة»، أو «غبية»، أو «غير مناسبة للوقت الحالي، خصوصاً أمام الضيوف».

يسأل لأن الكون أمامه مليء بالأشياء التي لا تفسير لها بعد، ويريد تفسيرًا، ولا يقبل ب«هكذا خلق الله» إجابةً نهائية لأن دماغه الصغير يعرف أن هذا تأجيل لا إجابة.

سقراط بنى فلسفته كلها على هذا المبدأ، وقضى حياته يسأل في الأسواق والطرقات، حتى أزعج أثينا بأسئلته وقرروا إعدامه. الفرق الوحيد بين الطفل وسقراط أن سقراط كان يعرف أنه يسأل عن قصد، والطفل يسأل لأنه لا يستطيع ألّا يسأل، وأثينا على الأقل انتظرت حتى يكبر سقراط قبل أن تعدمه، وهذا الحد الأدنى من الصبر الذي نفتقده أحياناً حين نسكت سؤال طفل.

وتأمل معي - حبيب قلبي - كيف نتعامل مع هذه الأسئلة بكفاءة منقطعة النظير. «لماذا السماء زرقاء؟» فنقول: «لأن الله خلقها هكذا، ضف وجهك»، وهذا صحيح لكنه يغلق باباً كان يمكن أن يُفتح، وكان يمكن أن يخرج منه عالم فيزياء. «لماذا الناس يموتون؟» فنقول: «لا تتكلم بهالكلام، شؤم، وين تعلمت هالكلام؟» «لماذا هذا الرجل فقير وذاك غني؟» فنقول: «هذا قسمة ونصيب، تكبر شوي وفهم»، وكأن الفهم يأتي تلقائياً مع الكبر مثل الشيب والركبة المؤلمة. وفي كل مرة، نأخذ عقلاً صغيراً كان يحاول أن يفهم الكون ونضعه في درج ونقفله بمفتاح اسمه «ما يلزمك»، ونضع المفتاح في مكان لا نتذكره لاحقاً.

والأخطر من كل ذلك حين يأتي السؤال الديني. «إذا الله يعرف كل شيء قبل ما يصير، ليش يخلق ناس بيدخلون النار؟» أو «لماذا ندعو ولا يُستجاب أحيانًا؟» أو «لماذا يوجد شر في الكون إذا كان الله كريمًا؟» أو «ليش لازم أصلي وأنا ما أحس بفرق؟ أو «ليش في ناس كافرين وهم أحسن منا بالسلوك؟» أو «ليش الله ما يظهر لنا حتى نشوفه بعيوننا؟»، - باستطاعتي أن اكمل لك الأسئلة هذي للفجر -، فنشتاط غضبًا ونصرخ ونتهم الطفل بالكفر قبل أن يكمل جملته، وكأن السؤال عن الله إساءة للدين، لا بداية لفهمه. ونحن في هذا لا نحمي الدين أو الطفل بل نتركه بلا إجابة، ونتركه يبحث عن إجابته في مكان لن نعرف أبداً أين هو، لكننا سنتعجب لاحقاً من النتيجة ونلوم «الإنترنت» و«الأفكار الدخيلة» و«شات جي بي تي».

وأتخيل أحيانًا لو أن أهالي العباقرة تصرفوا - بطريقتي الرائعة - هذه. نيوتن الصغير يسأل: «لماذا سقطت التفاحة للأسفل ولم تطر للأعلى؟» فتجيبه أمه: «لأن التفاح يسقط يا ولد، ضف وجهك، ولا تجلس تحت الشجرة من المرة الجاية».

الطفل الذي يُقمع سؤاله لا يتوقف عن السؤال، فالفضول ليس زرًا يمكن إيقافه ب«روح العب». لكنه يتعلم أن بعض الأسئلة خطيرة، وأن الأسلم ألا يسأل بصوت عالٍ، وأن يبحث عن إجاباته في أماكن لا نتحكم فيها. وهكذا نفقد الطفل الفيلسوف ونكسب شخصاً يعرف أين الحدود ويتوقف عندها، يمشي في الخط ولا يسأل ولا يُزعج أحداً، وهذا شخص مريح جداً للجميع، لكنه لن يغير شيئاً في حياته ولا في حياة من حوله، وحين يكبر سيعلّم أولاده نفس الشيء، وهكذا ندور في الحلقة بكفاءة مذهلة جيلاً بعد جيل.

الفلسفة ما هي درس في الكتاب، هي إني ما أقول لطفل «ضف وجهك» قبل ما آفكر ولو ثانية واحدة، حتى لو كان السؤال عن رأسي وهو في محرك السيارة، حين يسأل طفل صغير - شخص صغير مثلي - لا يعرف ما يفعل: «لماذا أدخلت رأسك هنا؟» والإجابة الصحيحة، وإن كانت محرجة أمام الخلائق: «سؤال ممتاز يا ولد، وبيني وبينك، أنا بعد ما أدري وش السالفة، ومالي بالغنم تيس، لكن خلّنا نفكر أو نتفلسف سوياً».