آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 8:48 م

الضمير المعتل

علي البحراني *

ثمة مفارقة مقلقة تتكرر في التاريخ الديني؛ فكلما تضخم الرمز حتى صار فوق النقد، وكلما تحول الاجتهاد من كونه فعلًا بشريًا إلى ما يشبه العصمة المعنوية، عندها لا تعود المشكلة في الفتوى ذاتها، بل في الوعي الذي يحيط بها ويحرسها من السؤال.

إن رفض شريحة واسعة من الشيعة - كما من غيرهم في سياقات مشابهة - إدانة الفقيه حين تصدر عنه فتاوى تصطدم بالبديهيات الأخلاقية ليس مجرد موقف عاطفي عابر، بل هو ظاهرة معرفية مركبة. إنها حالة تكيُّف ذهني يُعاد فيها ضبط البوصلة الأخلاقية، بحيث تتبدل الأولويات: تصبح حماية المكانة أولى من حماية القيمة، ويغدو الدفاع عن المرجع أسمى من الدفاع عن الضحية.

الفقيه في المنظومة الشيعية يحتل موقعًا مركزيًا بوصفه نائبًا عن الإمام الغائب وفق نظرية النيابة العامة، وهي فكرة تطوَّرت تاريخيًا عبر مسارات فقهية وفكرية طويلة، وبلغت ذروتها السياسية في نظرية ولاية الفقيه كما نظّر لها روح الله الخميني. غير أن المشكلة لا تكمن في التنظير ذاته، بل في التحول النفسي الذي يجعل من الفقيه كيانًا فوق المساءلة الاجتماعية، حتى وإن بقي - نظريًا - غير معصوم.

حين تصدر فتوى تبيح ما يستقبحه الضمير العام، أو تبرر ما ترفضه المعايير الإنسانية المعاصرة، يبدأ العقل الجمعي في ممارسة ما يسميه علماء النفس بـ (التنافر المعرفي). لقد شرح ليون فستنغر (Leon Festinger) هذه الظاهرة بوصفها توترًا داخليًا ينشأ حين تتصادم القناعات مع الوقائع، وللتخلص من هذا التوتر، لا يراجع الإنسان اعتقاده غالبًا، بل يعيد تأويل الواقع كي ينسجم مع إيمانه السابق.

وهكذا لا يُنظر إلى الفتوى بوصفها قابلةً للخطأ، بل يُعاد تعريف الخطأ نفسه. تُستدعى النصوص، وتُحرَّك قواعد أصول الفقه، وتُستحضر نيات المفتي، حتى يغدو القبيح حسنًا بالقياس، وتتحول الجريمة إلى (اجتهاد مأجور). وفي الوقت ذاته، تُشهر المعايير الأخلاقية نفسها كسيف على رقاب فقهاء المذاهب الأخرى، حيث يُرى الخطأ هناك واضحًا فاضحًا لا لبس فيه.

هذه الازدواجية ليست طائفية بقدر ما هي بشرية. إنها آلية دفاع عن الهوية؛ فالطائفة، كما عبّر عنها الدكتور علي الوردي، حين تشعر الجماعة أن رمزها مهدد، تتعامل مع النقد كما لو كان اعتداءً على ذاتها. ومن هنا تتبدل الأخلاق من كونها مبدأً عامًا إلى أداة انتقائية؛ يصبح القبح نسبيًا: هو قبح إن صدر من (الآخر)، وتأويلٌ مشروع إن صدر من (الداخل).

إن أخطر ما في الأمر ليس الفتوى بحد ذاتها؛ فالفتاوى تتغير وتتبدل عبر العصور، بل في إعادة برمجة الحس الأخلاقي حين يعتاد الوعي الدفاع عن الخطأ لأنه صادر عن مرجعه، بل ويبرر له ذلك الفعل أو القول، فقط لأنه مجتهد. إنه يفقد تدريجيًا قدرته على التمييز المستقل، وهنا تتحول المرجعية من كونها هادية إلى كونها مشكلة للضمير ذاته.

لقد قال إيمانويل كانط (Immanuel Kant): (إن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية، لا كوسيلة). لكن حين تُوظف الفتوى لتبرير ممارسات تمتهن الكرامة أو تلتف على العدالة، ثم يُطلب من الأتباع الدفاع عنها، فإن الإنسان يتحول - من حيث لا يشعرون - إلى وسيلة لحماية هيبة الفقيه، لا غاية قائمة بذاتها.

وليس من الإنصاف حصر الظاهرة في الشيعة وحدهم؛ فالتاريخ السني والمسيحي واليهودي حافل بمواقف مشابهة، حيث انتصر الأتباع لسلطة رجال الدين على حساب النقد الأخلاقي. غير أن خصوصية التجربة الشيعية تكمن في البنية الهرمية للمرجعية، وفي الارتباط العاطفي العميق بين المقلد ومرجعه، حتى يغدو الخلاف معه أقرب إلى خيانة وجدانية.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإدانة الفقيه، بل بإعادة الاعتبار لمعيار أخلاقي أعلى من الأشخاص؛ لمعيارٍ لا يُعاد تشكيله تبعًا للانتماء. فالفقيه - مهما علا شأنه - هو بشر يمارس الاجتهاد ضمن شروط عصره وثقافته، والاعتراف ببشريته لا ينتقص من مقامه، بل يحفظ له كرامته ويحرر أتباعه من عبء الدفاع عما لا يُدافع عنه.

في النهاية، المسألة ليست صراعًا بين طائفة وأخرى، بل بين ضمير مستقل وضمير مستعار؛ بين وعي يرى القبح قبحًا أينما كان، ووعي لا يراه إلا إذا جاء من خارج الأسوار. وحين تستعيد الجماعة قدرتها على النقد الذاتي، لا تسقط هيبة الدين، بل تسقط الهالة المصطنعة حول البشر، ويبقى الدين - إن كان حقًا - أنقى وأقرب إلى العدل.