أكثر شي تفتخر به!
ما قبل تناول وليمة غداء، لبعض الأقارب والأعزاء الذين دعوتهم في أحد أيام الجمع بأحد المنتجعات الزراعية، دار حديث عفوي بين الحضور، واشترك في الحديث، تفاعلًا، أغلب الحضور. وكان محور الحوار هو الإجابة عن سؤال مفتوح: ما هي أكثر الأشياء التي تفتخر بإنجازها في حياتك؟
والطريف أن أغلب الحضور من المدعوين كانوا متقاعدين من العمل، والأطرف أن الأغلب ممن استجابوا للدعوة كانوا شبه وجوه جديدة على الآخرين. شخصيًا أدرت جزءًا من الحوار، وكان يتضمن أمورًا شيقة ومثيرة للتفكير حول مفهوم الإنجاز عند البعض.
كانت معظم الإجابات تتمحور حول الافتخار ب:
شهادات الأولاد، والثروة، والعلم، والسمعة الطيبة، وبر الوالدين، والمنصب الوظيفي الذي تقلده بعضهم.
فمن الحضور من أجاب ببعض الأجوبة، ومنهم من كرر الجواب نفسه، ومنهم من اعتذر واحتفظ بالجواب لنفسه، إلا أنني سجلت الإجابات التالية حسب ما أتذكر مما قاله البعض:
1- قد لا أقول إنني أفتخر، ولكن أحمد الله بأنني إنسان عصامي حتى الساعة، ولا لأحد فضل علي، إلا الله سبحانه وتعالى، في تكوين شخصيتي وقدراتي.
2- شخصيًا أتهيب من كلمة «أفتخر»؛ لأنني لا أحب أن أفاخر، ولكن مجازًا أقول: أفتخر بحسن تربية الأبناء حتى أصبحوا ما بين مدرس ودكتور ومهندس وموظف مرموق، وأخلاقهم، ولله الحمد والمنة، محترمة، وسمعتهم بين الناس مشرفة.
3- ممم، أفتخر بتكوين وامتلاك ثروة مالية معتبرة بالحلال تحفظ كرامتي، وتحفظ ماء وجهي وكرامة أبنائي من بعدي.
4- أنصح الآخرين أن يكونوا كما أنا، حيث أصبحت مدير نفسي عبر الانخراط بالأعمال الحرة، ولم أكن موظفًا عند أحد يومًا ما.
5- أحمد الله أن أصبحت إنسانًا معطاءً للأهل والمجتمع والوطن، عبر البذل دون أي أذى أو ضجيج أو صور وإعلام.
6- بحمد الله، وُفقت إلى تأليف مجموعة كتب فكرية هادفة، ولي مشاركات علمية/أدبية إقليمية مرموقة.
7- سهل الله لي أن سافرت حول العالم لأكثر من 80 دولة من حر مالي، ولم أحرم نفسي من شيء حلال أحببته.
8- أفتخر بأنني بررتُ والديَّ، وأحترم زوجتي، وأعتني بأولادي.
9- حافظت، بحمد الله، على صحتي عبر الاستمرار بممارسة الرياضة، والاعتناء بالأكل الصحي، والابتعاد عن الأجواء النفسية الفاسدة، وأصدقاء السوء.
10- حققت طموحي وأهدافي في الحياة بكدحي وجهدي وإصراري، والحمد لله على ذلك.
11- كنت وما أزال أدافع عن عقائدي وأفكاري وديني، وهذا توفيق من الله لي.
12- أفتخر بأنني أمتلك منزلًا صيفيًا بإحدى الدول الأوروبية المرموقة، إلى جانب منزلي في أرض وطني.
13- وُفقت، على مدى عشرين سنة، بأنني انخرطت في أعمال التطوع الاجتماعي، وأشغل وقت فراغي بالتطوع حيثما يُتاح.
14- بكل فخر واعتزاز خدمت وطني 30 سنة في القطاع الصناعي والنفطي.
15- أحمد الله بأنني لا أقارن ما عندي بما عند الآخرين، وأنني أعيش القناعة قولًا وفعلًا، وأنا مرتاح.
16- وُفقت بأنني ساهمت في إطلاق أو تبني مشاريع اجتماعية وأهلية متعددة.
17- أفتخر بأن لدي أكثر من شركة تجارية، وأكثر من عمارة.
18- أفتخر بنسبي وحسبي.
19- أفتخر بأنني أصبحت الآن مشهورًا في وسائل التواصل الاجتماعي.
20- توفيق الله لي بأنني أخدم زوار بيوت الله وضيوفه بدور العبادة «كادر»، وكذلك الحجاج، على مدى 15 موسمًا متتاليًا.
21- أرعى وأتكفل بدار أيتام كامل، وأسأل الله أن أكون مع النبي ﷺ يوم القيامة.
22- بحمد الله، بنيت مصنعًا، ووظفت أكثر من 200 موظف مواطن، وبذلك ساهمت في استقرار 200 أسرة محليًا، فضلًا عن أسر المواطنين العرب والأجانب.
طبعًا هناك أشخاص اعتذروا عن المشاركة، واكتفوا بالقول بأن ما يصنعونه يبقى بينهم وبين الله، طمعًا في إحراز ثواب صدقة السر. واعتذر البعض بالتزام الصمت. وأكدت للجميع أن التحدث وعرض الأفكار دون أي رياء أو حب شهرة سيحفز الآخرين على معرفة أبواب جديدة للخير. وشخصيًا أرى أن لكل شخص إنجازات يفتخر بها، ويحفز الآخرين للاقتداء بها، دون أن يكون هناك أي رياء أو فشخرة أو منقصة أو تجريح أو تعرض لكرامة الآخرين.
عاصرنا بعض المتواضعين من الناس ممن سجلوا، ويسجلون، أنفسهم في سجل صنع أهل الفخر والعز في صمت، ودون جلبة أو تصفيق أو تصوير، ولا ينتشون بالمباهاة عند كل مجلس، وكل مكان، وكل تجمع. ولعل خبرًا وردني قبل عدة أيام عن جد ساهم في عمارة عدة مساجد حول العالم بصمت مطبق، ولم يعلم أبناؤه وأحفاده وزوجته بذلك إلا بعد سنوات من رحيله، وهذا، لعمرك، لمصداق صدقة السر. بينما شاهدنا بعض المغرورين، يُبتلى وسطهم الاجتماعي بهم، بسبب كثرة افتخارهم وزهوهم في أي حقل يخوضون الحديث فيه، أو أي تجمع يحضرونه، أو أي وليمة يحضرونها. فهل هذا من الشيم المتعارف عليها، أم إنها صرعة وموجة و«ترند» سرعان ما يخفت بريقها؟ فالناس تعرف من يستحق الاعتزاز به، وإن لم يصفقوا له أو يحضروا ولائمه.
الثروة من المال، والمنصب الوظيفي العالي، والفخامة في الأكل والسفر، والشهادات الأكاديمية العالية، تعطي شعورًا بالفخر لدى صاحبها وبعض المستفيدين من حوله، ولكن ما يبقى بين الناس، عامة الناس، كمحطات افتخار، هي الآثار المحمودة والبصمات الواقعية في حياتهم، وهي للأشخاص الذين تعاملوا معهم أو شعروا بآثارها فيهم، كالأخلاق الحميدة، والمعاملات الراقية، والسلوك الحسن، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وحسن النصيحة، وجميل المبادرة، ومد يد الإحسان لمستحقيها، والذرية الصالحة، والمساهمات الطيبة، والمبادرات الخلاقة.
لا بأس بأن يُغذّي الوالدان أبناءهم على حب ما لديهم من أموال وأملاك وبساتين ومتاجر وعمائر وعقارات، ولكن ليس إلى حد التفاخر والتباهي على الآخرين أو التهكم عليهم. ولا بأس أن يعزز الوالدان الإنفاق على أولادهم بسخاء، ولكن ليس إلى حد التسيب والهروب من المسؤولية، والاكتفاء بالتغني بما صنعه الأسلاف، والتهكم على من هم أدنى منهم دخلًا أو وضعًا.
الآن السؤال لك، عزيزي القارئ:
هل فكرت يومًا ماذا صنعت في شبابك، أو ماذا ستصنع فيما بقي من عمرك، لتفتخر به في قادم سنينك أو عبر الأجيال؟!














