حين اطمأنت النفس «9»
مرافئ المعرفة الإلهية
اكتشاف حقيقة النفس وقدراتها ونقاط القوة والضعف فيها رحلة معرفية، تمثل تلك الأدعية في الصحيفة السجادية أحد أهم روافدها، والافتقار إلى الغني المطلق في تدبيره لشؤون العباد لا يكسر النفس أو يسقطها في أتون الضعف، بل هو عين الفهم والإدراك لحقائق نظام الكون والتسيير الإلهي لما فيه، ويدفع المرء لاستشعار ضعفه وتقصيره، مما يصرف عنه نبرة التكبر وتضخم الذات بسبب الحصول على بعض القدرات والإمكانات.
ويولد من هذا الإدراك في النفس مقام التواضع للحق، وللمعارف الحقة، وللإرشاد والتوجيه الواردين في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والإنابة إلى الله تعالى، والعودة إلى أعتاب الرحمة الإلهية بعد استحكام الأهواء والغفلة في مفاصل حياته.
وهذه المعارف المتضمنة في تلك الأدعية ترتقي به إلى قراءة الحياة وظروفها ومحطاتها بعين التوحيد، فلا يرى الأحداث منفصلة عن الحكمة الإلهية، بل يراها محطة من محطات الاختبار والابتلاء؛ ليرى المولى عز وجل كيفية مواجهته لها.
فالروح الإيمانية ليست مجرد ادعاءات فارغة لا تأثير لها في تصرفاته على أرض الواقع، بل إن الواقع يكشف عما يسكن في العقل من تصورات وأفكار وعقائد، ويظهر رصيدها وقيمتها في نفسه. وهذه الابتلاءات الإلهية عين التربية والرحمة للنفس البشرية، وتتضمن مجموعة من الدروس يستقيها ويتعلمها من أنصت وتمعن في تلك الأدعية، والتي تصنع الزاد المعرفي والروحي والإيماني، وتبرز معالم الشخصية كالهمة العالية، والصبر، والتمسك بالأمل والرجاء بالله تعالى.
وهكذا تتحول كل تفاصيل الوجود إلى آيات دالة على قدرة الله تعالى وحكمته، ويصبح القلب حاضراً معه في السراء والضراء، فيلبسه ثوب الطمأنينة واليقين، ويبدد عنه الهواجس والقلق من المستقبل المجهول، ما دامت الأمور كلها بيد الخالق الحكيم.
ولهذا كانت الصحيفة السجادية منهجا لصناعة الوعي الإيماني والأخلاقي، وصانعة لاستقامة الفرد؛ إذ تعلم الإنسان كيف ينظر إلى الكون بعين العبودية، وينطلق في ميادين الخير والمعروف والأعمال الصالحة. فتثمر مدرسة الدعاء شخصية موحدة ترى الله أولا وآخرا، وما في الكون مجرد أسباب، وفي كل شيء أثرا من آثار حكمته ولطفه مهما كانت اتجاهات تلك الأحداث؛ إذ سيراها بعين الرضا بقضاء الله تعالى، والعمل جاهدا على إثبات وجوده ومكانته.
فمن يتأمل أدعية الصحيفة السجادية يجد أنها ترسم منهجا تربويا يبدأ بإصلاح القلب والمعاني التي تسكن نفسه قبل إصلاح السلوك، وتجنب الرذائل والآفات الأخلاقية، وتغرس في النفس معاني العبودية الحقة، والتواضع للحق، والشكر للمنعم، والصبر على ما يواجهه من ظروف حياتية صعبة، واليقين بأن مقاليد الأمور وأزمتها بيد الخالق العظيم، وما حولنا مجرد أسباب.
ولذلك كانت هذه الصحيفة النورانية تربي الإنسان على معرفة النفس بضعفها وحاجتها الدائمة إلى خالقها، فتولد في داخله رقابة ذاتية ”الضمير اليقظ“ أعمق من أي رقابة خارجية.













