آخر تحديث: 29 / 7 / 2026م - 10:07 م

إضاءات من الفكر الحسيني

جهاد هاشم الهاشم

لقد وثَّقت الحركة النهضوية الحسينية - التي هي مستقاة من الفكر الإسلامي القويم، لا سيما بعد انتصاره وانتشاره -، ولو أردنا النظر بصورة أكثر شمولًا وأوسع اتساعًا، باعتبار أن تلك الثورة بطبيعتها ملهمة للإصلاح والعادات الحميدة بشكل يفوق ما يمكن أن نسلط الضوء عليه، لِما لتلك الحركة العالمية الواعية من دورٍ محوري في ترسيخ المبادئ والقيم الأخلاقية السامية التي تهدف بالمقام الأول إلى وضع القاعدة الفعلية لمعنى التعايش والتراحم، وقبول بعضِنا بعضًا، وتعزيز الوحدة المشتركة، ليس فقط بين أفراد المجتمع، إنما تجاه بني الإنس قاطبة، بمعزل عن دياناتهم وطوائفهم ومعتقداتهم. وإذا ما شئنا أن نرى كل هذه الأمور على اختلاف صنوفها، فسنجد هناك عاملًا مشتركًا يجمع كل هؤلاء الآدميين على مبدأ واضح وجلي للعيان، وهو أن الاحترام والتقدير للإنسان هو غاية ومطلب. ومن هنا يمكن أن نستشهد بكلمة لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - سلام الله عليه -: «الإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».

حقيقةً، وإذا ما رغب أصحاب الأذهان النيرة في الإمعان فيها بعمق وبصيرة، في خضم هذه الحركة الكونية المباركة، والتغلغل ما بين مضامينها العالية وما تحويه من مُثل بالغة الأهمية، وصفات شريفة ونبيلة، وقيم التسامح، فسيدرك هؤلاء أن الحراك الحسيني يعد ظاهرة كبرى ذات منهج إنساني رصين يتصف بالاستقامة والعزة والكرامة، وهو صالحٌ على مدى الأزمان، وله أهداف فاضلة تحاكي الأفراد والجماعات بركائز ثابتة متخطية أفق الحدود، وهو مرسى للباحثين عن الحكمة واليقظة وإحياء الضمير وإرضاء الذات.

إن الحركة التاريخية التي قام بها الإمام الحسين ، ولكي نكون أكثر إنصافًا، هي واقعة فُرضت عليه كرهًا، وليس هو طالبها، كما تتصف بأنها غنية بالدروس والعِبر، لما نتج عنها من مآسٍ وأحزان، ومصابٍ جللٍ، ومن ناحية أخرى ما تمخض عنها من فيض أخلاقي وثيق، وعطاء معرفي وطيد، إضافة إلى عمقها التربوي. وكما هو متفق عليه، فإن الأخلاق تمثل الأطر والدعائم الحقيقية لاستقرار الأوطان؛ حيث تُبنى عليها الحضارات، وتضمن تماسك الأشخاص، فهي تخلق بيئة قائمة على العدل والمساواة، وتعزز الروابط بين جميع الأفراد، مما يسهم في تقدم ورخاء المجتمعات وصيانتها من الضعف والانجرار نحو طريق الانحراف والاعوجاج.

في واقع الأمر، يخطئ من يعتقد أن حادثة نينوى هي مجرد منازلة بين طرفين متنازعين، كبقية المعارك التي دارت رحاها على مر الدهور؛ فالخلافات عادةً تنشأ بين الخصوم لأسباب مختلفة، منها مطامع مادية أو جغرافية وغيرها من هذا القبيل. أما هذه المواجهة الاستثنائية التي خاضها الإمام الحسين بن علي عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهناك بُعدًا منطقيًا لهذه الحركة يجعلها فريدة من نوعها، ومن صفاتها أنها امتدت عبر الأزمنة منذ وقوعها، حتى استمرت إلى يومنا هذا. والسؤال هنا: لماذا ثار الحسين ؟ وهو سؤالٌ ذو أهميةٍ كبيرة، ولربما تجاهلته أجيال متعاقبة لانهماكها بالنواحي الوجدانية والحياتية لما حدث في خضم تلك الأحداث الموجعة على أرض كربلاء وحسب.

إذًا، فالمراقب لمسيرة الإمام الحسين ولنهضته الفذة، بدءًا من خروجه من مكة المكرمة حتى بلوغه منطقة النواويس «كربلاء» بالعراق سنة 61 للهجرة، ومن ثم استشهاده، لأدرك أن هذه المواجهة، وبمعزل عما جرى فيها من مآلات مؤسفة ونوائب جمة، لم يسبق للتاريخ أن روى مثلها قط. وبالنظر إلى الجانب الآخر، نجد أنها تزخر بنبل الصفات والسؤدد والكبرياء والنخوة والشهامة، فقد جسد في تلك المقارعة أدبيات رسالة جده الأصيلة، وطباعه السجية، فكان عظيم الشأن، رفيع القدر في جميع سماته وسكناته، وكذلك في أقواله وأفعاله.

ومما لا شك فيه، يعانق العنوان أعلاه وما يحويه من أبواب واسعة ومشرعة إطار الضوابط والآداب البشرية، والتأمل العميق لكل من أراد التزود من هذه المدرسة الحافلة بالعبر المستحقة للشكر والثناء؛ فمن خلالها يجد المنظرون والباحثون وأصحاب الرأي ضالتهم، وما يمكن أن يحققوه من ذلك المنهل الوفير من فكر الإمام الحسين ، إذ لا يُعد البحث والاطلاع في حركته مجرد حقيقة حصلت في نطاق زمني ثم انتهت، وبعدها جاءت النهاية والظفر بالفوز لما جرى؛ ففي واقع الحال ليس هذا ما تم إحرازه مطلقًا، بل تعاظم الحدث وتقدم ونما عبر العصور، والنتائج ماثلة على رؤوس الأشهاد في صورةٍ تتحدث عن ذاتها في زيارة الأربعين، حيث توافد ملايين البشر يأتون بملء إرادتهم لنيل شرف زيارته «سلام الله عليه».

لذلك يمكن اعتبار تلك النهضة السديدة مصدرًا للحصول على ما هو أفضل، وعلامة بارزة مليئة بالأسس الخيرة التي تنبض بالمعاني النزيهة ذات الجودة المتينة، وهذا هو سر استمرارها وديمومتها منذ وقوعها إلى يومنا هذا. وما نراه عن كثب من مشاهد مهيبة تتناقلها غالبية محطات التلفزة المحلية والعربية والغربية لزحف الجموع من كل حدب وصوب، في حالة كونية محيرة للعواطف والمشاعر والعقول، وتحديدًا في العشرين من شهر صفر من كل عام.

إذًا، ومن هذه الحقائق، واستنادًا إلى ما ذهب إليه العلماء والكُتاب، ليس فقط عربًا ومسلمين، وإنما عدد كبير لا حصر له من الغربيين، أمريكيين وأوروبيين، عرفوا باهتمامهم بدراسة التاريخ الإسلامي، وكذلك الاطلاع الواسع على علوم الفلسفة والديانات والثقافات المرتبطة بشعوب الشرق، كما كان للأمة الهندية والصينية نصيب ليس بالقليل من عنايتهم وانتباههم من خلال آرائهم التي تتناغم وتتماشى مع طبيعة المبادئ الأخلاقية والإنسانية قبل كل شيء.

أيها الإخوة المحترمون، وقبل أن ننهي هذا المقال، وبما أننا قد ذكرنا في معرض حديثنا وأشرنا إلى أن هناك الكثير ممن أشادوا بخلق الإمام الحسين ، فالأحرى هنا الإتيان، ولو بالقليل، من هؤلاء الأعلام الذين أسهبوا في الحديث عن شخصه وعلو مقامه وحسبه ونسبه ، كالشاعر المسيحي بولس سلامة عندما رثاه في ملحمته الشهيرة «عيد الغدير» بقصائد تنبض بالآلام والمعاناة والفداء، وكذلك الفيلسوف محمد إقبال الباكستاني، وما ورد في كتابه «أسرار الذات» وديوانه «هدية الحجاز»، وكذلك المفكر المصري عباس محمود العقاد وكتابه «أبو الشهداء»، والأديب طه حسين، والدكتور إبراهيم المازني، والمفكر أنطوان بارا صاحب كتاب «الحسين في الفكر المسيحي»، والألماني ماربين، والإنجليزي توماس كارليل، والباحث الهندي غاندي، ولويس ماسينيون المستشرق الفرنسي، وغيرهم الكثير لا يتسع المقام لتعدادهم. ومن أراد الاستزادة والمطالعة للوقوف على حقيقة الأمر، فله القراءة والبحث في هذا المجال.

أشاد المفكرون السابق ذكرهم بمجموعة من المحددات الجوهرية لنهضة الإمام الحسين، سلام الله عليه، وهذا ما سنختم به هذه القصاصة إزاء صفاته وشخصيته، وما تحقق من طيب الأثر لحصيلة هائلة لتلك الحادثة المليئة بالمكارم والأفعال المهذبة، وسمو النفس، وتجسيد ما جاءت به من المعاني الفاضلة، والمعاملة الصحيحة، والمناقب الجميلة، وارتقاء الإنسان بمشاعره، وحسن أخلاقه، وكبح رغباته القاصرة، وميوله الناقصة، وأهوائه الخاوية؛ لتكتمل الرسالة المحمدية التي تهدف إلى التخلص من ظلمات الجهل، وتزكية النفس، وترك الفرقة والتعصب، والتشجيع المستمر على التفاهم والانسجام المشترك في كنف وطننا الغالي، حيث تجمعنا المحبة والألفة والتآخي ولين الجانب، لننتج عقولًا ناضجة واعية تعي تمامًا ما خُلقنا لأجله، لنحظى وننعم في نهاية المطاف بمنظومة مجتمعية متميزة ومترابطة، ملؤها حياة كريمة، سعيدة، فرِحة، وناجحة دنيا وآخرة.

السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا خيرة الله وابن خيرته، السلام عليك يا ابن أمير المؤمنين، وابن سيد الوصيين، السلام عليك يا ابن فاطمة سيدة نساء العالمين، عليكم مني جميعًا سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ورحمة الله وبركاته.